السبت، 7 أغسطس، 2010

الدراما الليبية إنتكاسات وإحباطات ــ 1

رمضان كريم

بقلم بعيو المصراتي


الفنان يوسف الغرياني " قزقيزة " في بداية المنوعات الرمضانية

موسم الغلة الرمضانية على الأبواب، هكذا يسميه المنتجين و"الفنانين" في مختلف الأقطار العربية، حيث تتسابق المحطات التلفزيونية لإنتاج الأعمال أو شرائها لرفع شعار "حصريا" ومن من المحطات الفضائية التي لها الحق في عرض الحلقة قبل غيرها!؟ ، ثم تأتي القنوات المشفرة، والتي لا يمكن لك رؤية أعمالها تلفزيونياً إلا بعد الدفع مقدماً، ولهذا تزدحم الأستوديوهات والمدن الفنية، إلى درجة أن مواقع التصوير الخارجي يحدث فيه عجز، وخاصه في الأعمال القديمة، أو التي تستحضر لنا فترة زمنية تاريخية بدأت ملامحها تغيب عنا، والسبب في ذلك وأنا هنا أتكلم على مستوي الوطن العربي، هو عدم الإهتمام بالموروث القديم، من مباني و إكسسورات ومكملات و ملابس.

المواطن الليبي أو العربي أصبح شهر رمضان بنسبة له موسم للفرجه والمشاهدة، أو أحيانا البحث عن عمل تلفزيوني يحمل المواصفات الجيدة، لمشاهدته وعدم تضيع الوقت في أعمال ليس لها قيمة، ومن جهة أخرى فهو أيضا موسم للعبادة والتقرب لله سبحانه وتعالى، وهنا إختلطت الأمور فيما بينها، مع تعدد القنوات النلفزيونية على كل شكل ولون، فتداخل الحابل بالنابل والغث بالسمين، حتى الشيوخ والدعاة أصبحوا ينافسون نجوم ونجمات التلفزيون في الظهور على الشاشة الصغيرة، أو ربما الأن نطلق عليها الشاشة الكبيرة، نظراً للتطور السريع في صناعة التلفزيون وخصوصاً في السنوات الأخيرة، فالرؤية البصرية بكل أبعادها وتقنيتها أصبحت حاضرة معك وأنت جالس على كرسيك، بل ربما ستكون من ضمن الحدوته في القريب العاجل بظهور منظومة (الـ3 دي النلفزيونية).

في عقود مضت ليست ببعيدة، لنقل تحديدا في نهاية الثمنينات من القرن الماضي تقريباً، كانت الأعمال التي تقدم في شهر رمضان قليلة فالإنتاج الدرامي كان في التلفزيونات العربية على طول السنة، أما في رمضان فكان في الغالب فوازير (نيلللي وشريهان) أو الأعمال الكوميدية من أجل التسلية والمتعة، أو تجد أعمال دراميا على هيئة مسلسلات مثل "ليالي الحلمية" و "رأفت الهجان"، فبرغم من المقاطعة التي كانت للأعمال المصرية في تلك الفترة وخصوصا بعد بعد إتفاقية كامب ديفيد بين مصر وإسرئيل، إلا أن أشرطة الفيديو كانت تفي بالغرض للمشاهدة.

في تلك الفترة كان كل مواطن عربي يلجأ لتلفزيون بلاده، ليري ما يقدمه من أعمال درامية أو منوعة مهما كانت هذه الوجبة الفنية، (المهم هي من صنع بلاده) كما يقول المواطن، وفي نفس الوقت المتفرج مجبر على متابعة تلفزيون الدولة التي هو بها وليس له حل أخر، (خوذ والا خلي)، فكانت المسلسلات الدرامية تعرض حلقة كل أسبوع، والمسلسل يغطي موسم تلفزيوني وهو ثلاثة أشهر أي بـ 13 حلقة للمسلسل أما اليوم فقد أصبح التلفزيون كنار الفرن، تلتهم كل شيء وأي شيء وتقول هل من مزيد؟؟.

التلفزيون الليبي مثلا بدأ في شهر رمضان (بتقليعة) المنوعات وهي كوكتيل من المشهد التمثيلي والأغنية "المنولوج"، التي تحمل النصح والإرشاد والكوميديا ومعها الفزورة والجائزة. كانت البداية من سبعينيات القرن الماضي مع برنامج " فكر وكسب" من تأليف الفنان الكاتب أحمد الحريري، وإخراج الفنان عبدالباسط البدري، مع الفنانيين يوسف الغرياني "قزقيزة" وإسماعيل العجيلي "سُمعة" بمشاركة المذيعة فكرية أدم، ومنذ ذلك الوقت أستمر نفس القالب في التقديم وقلده فنانين أخرين، والغريب في الأمر أنه أستمر حتي السنة الماضية 2009م وربما نجده هذه السنة 2010م بنفس من قدموه في السبعينيات، ولكن من المفروض وضع (يافطة) يكتب عليها " للشيابين فقط " لأن الأجيال الحالية لن تقبل هذه القوالب، ولهذا نرى تذمر المواطن كل سنة مما يقدمه التلفزيون الليبي من أعمال لا ترتقي لما يبحث عنه المواطن المتحسر على حاله دائماً، لأنه يري في الفضاء الخارجي وما يقدم من أعمال مختلفة وكيف تطورت الأعمال الدراميا في عدة بلدان كـ الدراما السورية والخليجية مثلاً.

ومن وجهة نظري الشخصية، فأنا لا أتفق مع كل ما يقدم في هذا الفضاء الخارجي، من أعمال تندرج تحت بند الأستخفاف بعقل المشاهد بذائقته الفنية، والأعمال التجارية والإستهلاكية والوقتية وغيرها مما نشاهدها في هذه المحطة او تلك، ولكن في هذا الخضم قد تعثر في بعض الأحيان، عن بعض الأعمال المتكاملة من جميع النواحي الفنية، تفرض نفسها بالحضور والمتابعة من قبل المشاهد.

إن العلاقة بين "الفنان" المبدع في مختلف مجالات الإبداع الدرامي في التلفزيون الليبي، وبين المسؤول عن دعم هذه الدراما من مدير الإذاعة والبرامج ولجان المراقبة وكل من له علاقة بالعملية الإنتاجية، تسلك مسلك واحد لا غير وهو "نحن جاهزون في كل ما تريده"، كلمة يقولها الفنان لكل هؤلاء من أجل أن يتحصل على عقد عمل في هذا الشهر الكريم، وليس مهم نوع العمل وجودته أو حتى الميزانية، التي يتم إختصارها مرة وأثنين أو ربما ثلاثة مرات، ويشارك فيها أناس من الإذاعة ليس لهم علاقة بالعمل، في ما عدا أنهم يملكون مفتاح التنفيذ حتى ولو كان المفتاح (مصدي وعلى قد الحال).

وبمناسبة الحديث عن الإنتاج الدرامي في التلفزيون الليبي، يكون من الضروري التنويه بأسماء بعض الشركات التي أسست لكي ترعي الدراما الليبية في سينين مضت، ثم بعد فترة وجدنا بأنها قد اختفت لأسباب غير معروفة!!، وعلى رأس هذه الشركات شركة "الفجر الجديد" للخدمات الإعلامية، وشركات اخرى أسست لا لتخدم الدراما الليبية، ولكن لخدمة دراما اخرى ليس للفنانين الليبيين مكانا فيها، مثل شركة " شعاع للإنتاج الفني" ومقرها في القاهرة، فهي ليست موجودة على الخارطة الأن ربما الإفلاس أحد أسباب إختفائها، كذلك شركة "أبن خلدون للإنتاج الفني" ومقرها في تونس، ولا ندري أن هي مازالت على قيد الحياة، (ام لحقت وخياتها) فنحن لم نرى لها أي أعمال ليبية تذكر، حيث سخرت جهودها للإنتاج التونسي فحسب، وهناك منتجين يعرفهم المواطن الليبي أكثر من غيره أشتغلوا بأموال ليبية وبممثلين غير ليبين مثل جلبهار ممتاز، داود شيخاني، خليل سعادة وغيرهم ، وهناك شركات أو تشاركيات مثلما يطلقون عليها، يملكها أشخاص لهم نفوذ في المجال الإعلامي، لم تقم بأي دور يذكر للنهوض بهذه الدراما، والشيء الملومس والوحيد الذي أنجزته، هي إبرام عقود عمل وهمية، تصرف لها الأموال الهائلة بدون أن ترى شيء على أرض الواقع، ثم تختفي هذه الشركات لتحل محلها شركات أخرى بأسم أخر لتلعب نفس الدور.

هذا هو حال الدراما الليبية اليوم، فلا شركات وقفت على أقدامها، وأصبحت تنتج بمفردها، ولا شركات منفذة تستطيع تنفيذ أعمال تستحق التقديم والمشاهدة أو المتابعة، ولا إذاعة لها قطاع إنتاج قادر على تقديم الأعمال الدرامية، أوالمساهمة في توزيعها وإنتشارها في بعض الدول العربية، أو لمبادلتها بأعمال عربية أخرى، وأيضاً لا رقابة تفسح المجال للكتاب بإبداء آرائهم بكل حرية ودون قيد أو شرط ، ولا ميزانية نستطيع أن نسميها ميزانية عمل درامي، ولا دعم للفنان والمبدع الليبي لخوض التجربة بطريقة صحيحة، تطبيقاً للمثل الليبي "أعطي للبرمة تعطيك".

على محتكري الدراما الليبية الرمضانية "وهم مجموعة قليلة تستأثر بعقود الإنتاج السنوي" وتحتكر تقديم السكتشات الرمضانية، بأن التنازل من أجل المصالح الشخصية، ومن أجل أن يقدم عمله ولو علي حساب أعمال أخوته الفنانين هو بمثابة زيادة إنكسار لهذه الدراما التي بدأها عدد من الفنانين لعقود مضت بكل جد وإجتهاد أي منذ بداية البث التلفزيوني في سنة 1968.

وشهر رمضان هو الشاهد على ذلك، خاصة بعد التحول من الإستمارات الإنتاجية، والتي ذبحت الفنانين لسنوات طويلة وأكلات جهدهم وعرقهم، إلى عقود إنتاج أو ما يسمي "بالمنتج المنفذ" وهو الفنان المسؤول عن العمل من الألف إلي الياء، بما في ذلك الأموال بعد خصم مستحقات المسؤولين على إعطائه هذا العقد، مما جعل هذا الفنان أو "التاجر الرمضاني" يلهث وراء هذا العقد بكل قوته ومعارفه وجبروته من أجل الظفر به أو حتى بنصفه، المهم مبلغ "محترم" له كـ منتج منفذ أو تاجر منفذ، وليس مهم من معه أو ما يقدم هذا العمل، أو رأي الجمهور والكلمة المعتادة " كل سنة وأنتم طيبين ورمضان كريم ".

هذا هو واقع الإنتاج الدرامي في ليبيا، ولم ولن يتغير منه شيء هذه السنة أو التي بعدها أو السنوات القادمة، ولهذا نجد أن الأسوأ هو المتصدر كل عام، المواطن يصرخ بأعلى صوته، أوقفوا هذه المهزلة أوقفوا هذه المسخرة، والفنان " هي هنا وصياحها في الوادي".

أتمني أن يخطيء حدسي هذه المرة ونشاهد أعمال جيدة في رمضان 2010، وان نبتعد عن ما هو كلاشيه من الماضي، فالإنتاج الدرامي على مستوي الوطن العربي تغير وتطور، مع إبتكار التكنولوجيا السمعية والبصرية، أمنية يتمناها المواطن الليبي من صناع الدراما الليبية، بكل أطيافها وقنواتها المتعددة!!!، فهل هذه السنة سنري أعمال تعيد الخط إلي مساره الصحيح بعد أن فقدناه لسنوات عديدة في مسيرة هذه الدراما، وكل سنة والجميع بخير.

وللحكاية بقية....

****************


ليست هناك تعليقات: