الأربعاء، 28 أبريل، 2010

الثلاثاء، 27 أبريل، 2010


الفنان عبدالله الريشي يرحل بصمت


بالصدفة وحدها وانا أبحث على شبكة الإنترنت، وجدت نفسي أمام خبر وفاة الفنان عبدالله الريشي – رحمه الله – الذي مضى عليه أكثر من اربعة أشهر، هكذا دائماً يرحل فنانونا بصمت مثلما كانوا يعملون في صمت، رغم أن عملهم جماهيري وشعبي وهذه أحد مفارقات العمل الفني في ليبيا بكل فروعه، وعلي رأس القائمه الممثلون منهم، فهل تقع مسؤولية الإهمال على من يتجهلون الفنان؟، أم على الفنانين!؟ أو من أعلامنا الليبي!!؟.

كل هذا وذاك لن ينفع الأن ولا يجوز لي الأن إلا أن أترحم على فقيدنا، فرحم الله الفنان عبدالله الريشي الذي رحل عن هذه الدنيا في 25 من ديسمبر 2009، لقد كان أول لقاء لي معه سنة 1982 م في إذاعة صوت الوطن العربي في أول تجربة لي في العمل الإذاعي والذي كان من إخراج الفنانة سعاد الحداد، مع كوكبة من الفنانين الليبيين الذين أستمتعت بالعمل معهم في المجال الإذاعي منذ تلك الفترة إلي مغادرتي ليبيا في سنة 2005.

لقد كان الفنان عبدالله الريشي ملتزماً في عمله الإذاعي بكل ماتعنيه هذه الكلمة من معني، كان يقدم النصيحة الفنية لكل موهوب جديد في مجال العمل الإذاعي وكانت نصائحه يملأها الإخلاص والوضوح، بكل مزاياه،عيوبه، انتكاسته، وحتى إحباطاته، لكنه مع ذلك يعطيك الخبرة في هذا المجال، وكيفية الإمساك بالخيوط والمفاتيح المهمه لإنطلاق الممثل الإذاعي. هكذا هو الفنان الملتزم يعطيك كل مالديه منذ أن تضع أقدامك في أستوديو التسجيل لأول مرة، وهذا ماحدث معي في أول يوم عمل إذاعي لي معه ومع باقي الفنانيين.

لقد وجدت بعض الكلمات التي أدلي بها من عرفوا الفنان عبدالله الريشي، في "موقع أويا الإلكتروني" وها أنا أعيد نشرها كما هي في حق هذا الفنان القدير الذي رحل عنا بصمت، لأنه يعرف جيداً أن الصمت هو أفضل إجابة لما يعانيه الفنان الليبي المتجاهل والمهمش دائماً.
مقدمة المحرر في صحيفة أويا الإلكترونية:-

شغلته عنا الإذاعة والمسلسلات التاريخية وفي أحيان كثيرة تلك التي لها نفح ديني، وتتصل بقيم عريقة .إنشغل كذلك بالهم التعليمي ردحاً من الزمن . كان ضمن قلة قليلة أسست المسرح الوطني … وأسهم في مناشطه الفنية عبر عروض شيقة كانت تجمع حولها عشاق الركح البديع.

وكان دخوله النشاط الفني من الباب التجاري لفترة أحسبها أثرت على معنوياته فأرهقه ذلك، وأرغمه على زيارة الأطباء الذين نصحوه بالعلاج والراحة .قاطع المجال الذي عشق مرغماً .. فلم يعد ذلك الصوت الرخيم في الأعمال المسرحية التي انتجها المسرح الوطني .

عبدالله الريشي عاد في رمضان الماضي بعد انقطاع طال أمده؟ .. لنستمع إلى صوته عبر مسلسل أو أكثر، لكنني سمعته عبر إذاعة " صوت أفريقيا "ربما كان لزملائه وأصدقائه دور في ذلك .. لكننا حسبناها بداية جديدة .. ستعطينا فرصة أن نعيد علاقتنا به كما كانت في السنين الخوالي، أيام كان عبدالله شاباً يافعاً يتقمص أدوار الشخصيات الشابة .. الحبوبة .. التي تكون أقرب إلى القلب .. وأكثر وداً مع المستمع والمشاهد .. غير أن قضاء الله .. الذي لا مرد لقضائه .. قضى أن تكون عودته في رمضان العام الماضي هي آخر عوده له .. وغادر هذه الدنيا البائسة أمس الأول بعد عمر قصير أداه في مجالدة النفس لتقديم الأبهى والأجمل .. وقد كان باراً بكل من عرفه، وآله وذويه الذين بفقده يعتصرهم الألم ، والأسى العميق على مغادرته اليوم أثر مكابدات مع الألم والمرض وبعض من الجحود .. الذي يصيبنا كحالة بائسة في هذه المنطقة المتبلدة .رحم الله هذا الفنان أحد رواد الإبداع من الجيل المخضرم الذي جاء قبلنا فأتاح لنا فرصة أن نليه .

الفنان أحمد الغزيوي

هو فنان من الفترة الذهبية للحركة الفنية وكان مثالاً للفنان الملتزم فنياً.وخلقاً أشتركنا في عديد الأعمال وكان رحمه الله من الأشخاص الذي تستطيع أن تعمل معهم .. وعطاؤه الفني غير محدود .. رغم ابتعاده مبكراً عن هذا المجال إلا أن ما قدمه سيبقى في الذاكرة الفنية .. فيرحمه الله ويسكنه فسيح جناته .

الفنان لطفي بن موسي

بداية عملي مع المرحوم في أوائل السبعينات بعمل مشترك بمصر إخراج المصري إسماعيل عبد الحافظ . والعمل بعنوان وجه على جدار التاريخ بعدها توالت الأعمال مع المرحوم وكان خير الصديق والرفيق المحترم لنفسه ولفنه والمرحوم . كان منطوياً على نفسه منذ البدايات وكان لا يتردد كثيراً على الإذاعة إلى أن داهمه المرض بشكل مفاجئ، الأمر الذي زاد من ابتعاده أكثر عن الوسط الفني إلى أن اقتحمت خلوته رمضان الماضي حيث أنني كنت قد كتبت له عديد الأعمال للمسموعة فأصريت هذا العام 2009 على المرحوم تقديم هذه الأعمال عبر المسموعة عارضاً عليه نقله إلى الإذاعة شخصياً والرجوع به إلى البيت نظراً لحالته الصحية فوافق على طلبي في محاولة منا للخروج به من حالة الإنطواء التي كان يمارسها . والحمد لله تم تنفيذ الأعمال بإذاعة الجماهيرية المسموعة بعنوان " شفاء الروح " وتم التعاقد معه على هذا الأساس إلا أن المرحوم إلى حد وفاته لم يتقاض أي مبلغ من قيمة العقد الذي أتمنى على المسؤولين في الإذاعة صرف مستحقاته لأسرته .. كذلك طلب مني الأستاذ غويل مدير إذاعة صوت إفريقيا الاتصال بالفنان عبدالله الريشي لتقديم عمل فكتبت له 30 حلقة من الأدعية بعنوان " أدعوني أستجب لكم " نظراً لحالته النفسية والصحية رأيت أنه أقدر على نقل هذه الأدعية من صميم القلب وكان له ما أراد ونفذ هذا العمل أيضاً في رمضان الماضي .. باختصار كانت هذه آخر الأعمال التي قدمها المرحوم بعد غياب لايقل عن عشرين عاماً قضاها مع المرض والانطواء على نفسه.

عموماً ذكرياتي مع المرحوم كثيرة ولاحصر لها وكان نعم الصديق قليل الكلام وإن تكلم فإنه ينطق جواهر رحمه الله وعوضنا فيه خيراً.

الفنان علي الخمسي

بدأت علاقتي بالمرحوم في منتصف الستينيات وكان المرحوم أكثر أعماله إذاعية ولم يشتغل كثيراً في المسرح . كان فنان يفرض عليك محبته واحترامه وكان محاوراً جيداً ومتحدثاً لبقاً وعلى درجة عالية من الخلق ونفذنا عديد الأعمال أنا كمخرج وهو ممثل والعكس اشتغلنا على هامش التاريخ وكان شخصية ثابتة في مسلسل برقيات وعمل كلام أيجيب كلام وكان مثالا للفنان الملتزم المحترم لفنه .. أسكنه الله فسيح جناته وعوض الحركة الفنية فيه خيراً.

الفنان يوسف الكردي

ألفنا مع المرحوم مجموعة متجانسة فنية في منتصف الستينيات وكان لنا معه عديد الأعمال وهو من الفنانيين الذين تعمل معهم بكل أريحية فهو فنان بكل ما تعني منضبط في عمله ويحترم زملاءه كثيراً وكان لنا معه عديد المواقف الجميلة التي تذكرنا بفترة زاهية من الحركة الفنية .. ولا يسعنا في هذه اللحظات إلا الدعاء له بالمغفرة والرحمة ويعوضنا الله فيه خيراً.

الفنان عياد الزليطني

كان المرحوم رفيق درب لا يشق له غبار وكان نعم الصديق المحترم لعمله وزملائه وكان بطبعه خجولاً قليل الكلام .. ولا يحب الظهور كثيراً في التجمعات الفنية إلا أنه قدم عديد الأعمال التي مازلت في ذاكرة الفن الليبي .. فليتقبله الله برحمته . هو فنان من الفترة الذهبية للحركة الفنية وكان مثالاً للفنان الملتزم فنياً . وخلقاً أشتركنا في عديد الأعمال وكان رحمه الله من الأشخاص الذي تستطيع أن تعمل معهم .. وعطاؤه الفني غير محدود .. رغم ابتعاده مبكراً عن هذا المجال إلا أن ما قدمه سيبقى في الذاكرة الفنية .. فيرحمه الله ويسكنه فسيح جناته .

الفنان محمد الطاهر

كانت لي ذكرايات جميلة مع الفنان عبدالله الريشي رحمة الله عليه وكان نعم الرفيق وأتذكر جيداً الرحلة الفنية التي جمعتنا إلى الأردن والصور التذكارية التي أخدناها بجانب تمثال معركة الكرامة بعمان ومازلت أتذكر تلك الأيام وتلك الرحلة الجملية ألف رحمة على المرحوم وإلى جنة الخلد أن شاء الله.

الفنان سعيد المزوغي

بعد معاناة طويلة مع المرض إنتقل الفنان عبدالله بشيرالريشي إلي رحمة الله يوم الجمعة 2009 / 12 / 25.. فنان عرف بدماثة خلقه وحسن سيرته رغم غيابه المبكر عن الحركة الفنية بسبب المرض إلا أنه ترك رصيداً هائلاً من الأعمال التي سوف تبقى عالقة في أذهان الكثيرين ممن عرفوه ..وكان المرحوم أحد رجال التعليم الأوائل وتحديداً النشاط المدرسي وبدأ رحلته الفنية بداية الستينات من القرن الماضي صحبة عديد الفنانين في تلك الفترة الذين يذكرونه ويذكرون محاسن أخلاقه في كل حديث يتعلق بعبدالله الريشي أقيم له موكب عزاء مهيب عصر السبت 26 \12 \ 2009 بمقبرة شط الهنشير حضره كل أحبابه ومعارفه ولفيف كبير من الفنانين الذين كان لنا معهم وقفة للحديث عن الذكريات المتعلقة بالمرحوم .

الفنان أنور البلعزي

كان المرحوم من ضمن الفنانيين الذين تربينا على أدائهم فنياً وكانوا نعم القدوة لنا في مشوارنا الفني وكان المرحوم أصدق مثال للفنان الملتزم والمحترم لفنه وزملاءه .. عوضنا الله فيه خيراً وأسكنه فسيح جناته.

أحد أقارب الفنان عبدالله الريشي

أنا أحد اقارب المرحوم الفنان القدير عبدالله الريشي أريد أن أعقب على بعض ماقيل في جريدة أويا من أغلاط فيما يخص حالة الفنان عبدالله الريشي , ذكر هنا انه توفيا جراء معناته من المرض وهذه المعلومة غير صحيحة حيث انه كان في احسن حاله في هذه الفترة وسبب الوفاة كان سكته قلبية اما بالنسبة لتعليقات بعض الفنانين حيث ذكر الفنان لطفي بن موسى ان عبد الله الريشي كان منطويا على نفسه فأنا اجزم بالقوال انه أبعد مايكون على ذلك فهو شخصية محبوبة من جميع الناس متحدث لبق واجتماعي الى حد كبير كما ذكر ايضا انه ابتعد عن الشاشة لمدة تصل الى عشرون عاما وذلك غير صحيح فقد شارك في مسلسل مقامات الحمداني سنة 2001 أخيراً أرجو ان يكون هناك مصداقية لنشر المعلومات الصحيحة رحم الله الفنان المحترم عبدالله الريشي فهو من أكثر الفنانين الليبين احتراما وتقديرا للفن الاصيل.
**************
عن موقع صحيفة أويا


وبهذا الخصوص لي تعليق بسيط علي ما قيل في حق هذا الفنان، اعتقد أنه لم ينقطع عن العمل الفني فهو متواجد كل سنة مثل باقي الفنانين في الإذاعة لتسجيل الأعمال الإذاعية الرمضانية، أما التلفزيون فهو لم يقدم في المدة الأخيرة شيء لأنه لم يجد ما يناسبه، فالمطروح من أعمال ليبية درامية لا تتناسب مع حتي المبتدئين، فما بالك بفنان قدير بوزن عبدالله الريشي، فهو بموقفه هذا خير ما عمل في عدم المشاركة في هذه الأعمال التي ليس لها أي قيمة فنية، أما وصفه بالإنطوائي فلم أفهم المعني المقصود بذلك، لأن الفنان الريشي – رحمه الله - كان عكس ذلك الوصف فهو إنسان محبوب من الجميع و إجتماعي، رحم الله الفنان عبد الله الريشي وأسكنه فسيح جناته وإنا لله وإنا إليه راجعون.
**************

برنامج "شفاء الروح" أخر ما قدم المرحوم عبدالله الريشي في شهر رمضان 2009:-


مجموعة العمل الإذاعي " شفاء الروح" شهر رمضان 2009 الفنانين سعاد الحداد، عمران المدنيني، محمد بن يوسف، لطفي بن موسي.
برنامج "شفاء الروح" أحد الأعمال الإذاعية، التي أخرجها المرحوم الفنان عبدالله الريشي ولمدة ربع قرن من الزمن، والذي يعرض في شهر رمضان المبارك من كل سنة، بدأها مع المعد والكاتب المرحوم محمد ماهر فاهيم، حتي سنة 2008 بدأ الفنان لطفي بن موسي عملية الإعداد نظراً لوفاة الكاتب محمد ماهر فاهيم، كان أيضاً من المشاركين في مسيرة هذه الحلقات الإذاعية، الفنان المرحوم شعبان القبلاوي، والإذاعية المرحومة حورية مظفر.
الطاقم الفني لهذا العمل إلي جانب المخرج والمعد والممثلين، مساعد المخرج الفنان محمد الطاهر، فني توليف بشير البوني، فني تسجيل محمد راشد.
**************

عن موقع المؤسسة العامة للثقافة

الاثنين، 26 أبريل، 2010

أهلاً مصطفى الأمير


ملامح من المسرح الليبي المعاصر ـ 2

للكاتب الليبي نوري عبد الدائم


مسرحية "عكوز موسي" من تأليف الكاتب المرحوم مصطفي الأمير، وإخراج الفنان خالد إخشيم، إنتاج المسرح الحر طرابلس ـ ليبيا 1976 “ الصورة من إرشيف الفنان مفتاح الفقية

أهلاً مصطفى الأمير

أول ما راودني ونحن في طريقنا نحو منزل الكاتب " مصطفى الأمير" صحبة الأصدقاء مفتاح العماري ، عبدالحكيم القبايلي ، أحمد السيفاو. هي كيفية المفتتح لحوارنا مع رجل ثمانيني أنهكته خشبات المسارح . وملته " كواليسها " . تمثيلاً وإخراجاً وتأليفاً ، وأضنته ملاحقة مستجداتها في مسارح " ميلانو " و " أسراكها " . هذه الحيوية التي كان يتمتع بها " الأمير " من ممثل في فرقة " نادي العمال " التي أسسها الشاعر " أحمد قنابة " سنة 1944 م إلى مؤسس لفرقة تضم جيله أسماها " فرقة الشباب الاستعراضية " سنة 1946م " التي كانت باكورة أعمالها" ضربة القدر " وهي من إخراجه وتأليفه ومن بطولة الفنان كاظم نديم ، وميلود الزقلعي . فكانت خلاصة هذه التجربة " الفرقة القومية للتمثيل والموسيقى " سنة 1951 م " التي ضمت العديد من الأسماء المهمة في الحركة المسرحية الليبية ، محمد حقيق ، الطاهر الجديع ، البهلول الدهماني ، محمد قنيدي ، الطاهر العربي ، شعبان القبلاوي ، وليلتقي رفيقا سيرته الفنان " محمد شرف الدين " والممثل " مختار الأسود".

مكوناً هو والفنان محمد شرف الدين ثنائياً في تأليف وإخراج العديد من الأعمال المسرحية " الدنيا ساعة بساعة " ،" اللي يديره بيده ربي يزيده " ،" طبيب ونص عن موليير" ، " العسل المر" ،" اللي تضنه موسى " ، " كل شيء يتصلح " ، " قبر مشيد ولا خيال مشوم "، " حلم الجعانين " ، " دوختونا "، التي عرضت من خلال هذه الفرقة.

فالأمير لم يقتصر دوره على التأليف والإخراج فقط بل كان يقوم بمهام التكوين والإعداد لأعضائها ، فاللفرقة القومية سيرة طويلة . "الأمير" العاشق الطرابلسي أبن " زنقة الريفي " بالمدينة القديمة ، التي تشكّل من ذاكرتها وأزقتها. كما شكّل هو ذاكرة جيله و ذاكرة مدينته فيما بعد .

" مصطفى الأمير " ومع بدايات القرن الماضي أرسل كالعديد من الأطفال إلى " كتّاب الزرقاني " ليلتحق بعده بمدرسة " أمير بيامونتي " الإيطالية ، ممضياً فيما بعد ثلاث سنوات في المدرسة الإسلامية العليا. أثناء ولوجنا باب البيت رافقنا أحد أبنائه الذي استقبلنا بحفاوة بالغة عبر رواق يفضي إلى صالة مرتبة بأناقة تنبعث منها الذكريات من كل جنباتها . فالمكتبة تضم إلى جانب بعض الكتب والمخطوطات ، جهاز مذياع قديم مؤرخ بميلاد ابنته البكر التي بلغت الخمسين من العمر. صور مؤطرة وشهادات تقدير تزين جدران الصالة تمثل مراحل مختلفة من سيرة هذا المبدع الذي غمرته فرحة بالغة ممزوجة بالود احتفاء بقدومنا ، ومن سرير مرضه الذي لازمه عشر سنوات أختصر علينا خوفنا من البدايات كاسراً حاجز الكلفة التي كنا مرتبكين في حضرتها بوده وسخريته المحببة التي طالت لحية " السيفاو" الكثة ، مروراً بذاكرته التي لم تعد تسعفه .

فحديثنا معه عفوياً وودوداً وجماعياً فكان عبارة عن "هدرزة ليبية" . ذكرته بتكريمه في المهرجان الأول للنهر الصناعي للمسرح بمدينة بنغازي في بداية التسعينيات من القرن الماضي . الأمير : - أي تكريم .... آ آه .. أجل تذكرت . كانت حفلة كبيرة ... الصالة امتلأت بالحضور الذين أثلجوا صدري بالود و وتوجوه بباقات الورود..... كنا نجلس حول " الجابية الكبيرة " حوض السباحة بالقرية السياحية ... كانت حفلة كبيرة . كنت وقتها بعافيتي . أجل كانت حفلة كبيرة .

ماذا عن الفرقة القومية ؟ الأمير :- أخر عمل كان " سويلمة " التي قدمها " مفتاح المصراتي " . بعدها كان مشروع تعاون مع المرحوم " الأمين ناصف "... أمضينا معاً جلسات عمل تجاوزت الشهرين في هذا المنزل . وأطلعني على رؤيته التي كنت راض عنها تماماً حتى أنه في بعض الأحيان يجسد أمامي بعض الشخصيات حسب رؤيته .... لكن مع الأسف اختطفته المنية قبل أن يرى هذا المشروع النور ... المنية غريبة أحياناً . كانت صدمة بالنسبة لي . ولكن هكذا شاء القدر القدر.. فليرحمه الله.

ألا تذكر اسم العمل ؟ الأمير :- هذا العمل كان خلاصة أعمالي المسرحية . ولم نتفق على اسم له أنا والمرحوم .

وما زلت أحتفظ بالنص كمخطوط وهو ضمن خمسة أو ستة أعمال لم تنفذ . مسرحية " شهرزاد" كانت مشروع للمخرج حسن قرفال في المسرح الوطني وأيضا لم يكتب لها العرض ؟

الأمير :- لم يكتب لها العرض بسبب هذه الإعاقة التي سببها فتور في الأعصاب المحركة للعضلات حسب رأي الأطباء . حاولت البحت عن حل قبل حلول الأزمة فذهبت إلى ألمانيا ولندن ولكن هكذا شاء القدر ، الحمد لله على كل حال .

ماذا عن تأسيس الفرقة القومية ؟ الأمير :- كان تأسيس الفرقة القومية جماعياً ، أذكر أنا و" شرف الدين " كنا من الأوائل والمرحوم " إدريس الشغيوي" شقيق " حسن الشغيوي . ثم التحق بنا " الطاهر الجديع " . فالذاكرة لم تعد تسعفني... كنا مجموعة. ذهبت الأيام وذهب الأصدقاء ... فلكم أشعر براحة عندما أعلم بقدوم زائر . فلكل عذره ... فتكاليف الحياة أصبحت صعبة ومنهكة فلا لوم على أحد.

انتم تمثلون جيل الريادة ، وتمثلون ذاكرة وطن . وتستحقون الكثير ومن حقكم علينا الكثير. الأمير :- أشكركم على شعوركم الطيب ، والعذر معهم فلكل منا تفاصيله وهمومه الخاصة والوقت ثمين... نعود للمسرح . توقفنا عند شهرزاد. الأمير : - حسن قرفال قدم عملين من تأليفي " ما يقعد في الوادي إلا حجره " و" بين يوم وليلة " التي قدمت فيه" لطفية إبراهيم " أداءً متميزاً ، ومن صميم إبداعها . .. خروجها في أول العرض ب" المكنسة " لتكنس ذلك الحاضر الذي سيقدم على الخشبة . كانت فنانة بمعنى الكلمة . لطفية فنانة كبيرة.

ما مصير المخطوطات التي في حوزتك ... ومدى إمكانية الإطلاع عليها ونشرها ؟، الأمير : - سأبحث عنها . لا أدري هل هي في هذه الأرفف أم بالداخل سأبذل جهدي في البحث عنها . فالذاكرة لم تعد تسعفني فهذا المرض ووزن السنوات العشر كان ثقيلاً ... الحمد لله البركة في الأولاد . أنا أنجبت عشرة أبناء ستة أولاد وأربع بنات كلهم زوجتهم وعلمتهم . ومحفوف بثمانية وثلاثين حفيداً منهم الجامعي والدكتور والمهندس وعندي أبن الحفيد. ماشالله ... تبارك الرحمن ... ربي يحفظهم.

الأمير :- الله يسلمكم ..ويحفظكم .. ويحفظ الجميع .. وينجيكم من آفات الزمان ومن دعاة الشر" ومن العين.. مافيش زي العين تأخذ .عمي " مصطفى " كنت مطلعاً على المشهد المسرحي الإيطالي . الأمير :- لا تخلو زيارة لإيطالي من مشاهدة عروض مسرحية . لقد شاهدت الكثير وخاصة مسرح " ميلانو" المتمثل في المخرج والممثل والكاتب " البرتو سورتي " . كما تعجبني أفلام" روسليني " ويعجبني " بيرنديلو " هل نقلت أعمال لبيرنديلو؟

الأمير :- قمت بإعداد عملين أو ثلاثة ل" بيرنديلو " ولكني لا أذكرها. كما نقلت العديد من الأعمال الإيطالية وأعدت صياغتها للمحلية الليبية ً وعرضت في مسارحنا . كما حاولت الاستفادة من التقنية الإيطالية في مسرحية " حلم الجعانين ". عندما زرت مخازن" نابولي" واخترت ملابس الأشباح ، وقتها كان شيئاً جديداً ومتميزاً .( في هذه الأثناء يطلب السيفاو الإذن للذهاب لمعرض الفنان الساخر محمد الزواوي ) " الزواوي " أستاذنا.. بلغه سلامي .

ماهي أماكن العرض التي كانت تقام عليها عروضكم ؟ الأمير :- الأماكن كثيرة فغالبا ًما كانت عروضنا في مسرح الحمراء والغزالة ومسرح " الميرامار " كانت دار للأوبرا بأربعة أو خمسة طوابق.

ما مدى الإقبال على عروضكم فيذلك الوقت ؟ الأمير :- كان هناك إقبال كبير على المسرح حتى إني استغرب الآن عزوف الجماهير على المسرح . وقتها كانوا شباب الجامعة والثانوية ومن كل الشرائح يشاهدون أعمالنا، وكانت التذاكر في المتناول عشرة قروش وعشرون قرشاً . وثمة تذاكر تشجيعية تصل إلى خمس وعشر جنيهات.

ما مدى علاقتك بالمرحوم الحاج محمد حقيق ؟ الأمير :- الله يرحمه... الله يرحمه . كان أول تعاملي معه في مسرحية " تحت الرماد " في دور جنرال إيطالي الذي تقمصه بإتقان شديد أبهرنا بأدائه . وكان رفيق سفري لمعرض " ميلانو " الذي يقام على هامشه مناشط مسرحية وعروض من " السيرك العالمي " السيرك الإيطالي والبلجيكي والفرنسي والهولندي . أنا أحب السيرك كثيراً ، وعند تأسيسي لفرقة الشباب الاستعراضية " كان حلمي في هذه الفرقة يشمل الرقص ، والحركة ، والغناء ، والمشهد التمثيلي حتى أني استعنت بمخرج إيطالي ليقوم بمهام التكوين والإخراج ولكن هذا الحلم لم يتحقق . أنت أحد مؤسسي فن المونولوج وقدمت العديد من " المونولوجات " الأمير :- أول مونولوج كان من تأليفي " لحم الخروف يرى أم أكلة عجب" غنيته على لحن لأغنية أم كلثوم . " زهر الربيع يرى أم سادة نجب " مع فرقة الحاج " حسونة فحيمة " التي كانت عبارة عن تخت شرقي . كان " الطاهر جديع " أيضا أحد رواد فن المونولوج بروحه المرحة وما زلت أذكر مونولوج " شعبان القبلاوي " الذي يقول : " علاش ولواش ؟ توا نقوللكم لواش .

عمي مصطفى أنت رائد من رواد الصيدلة ورائد من رواد المسرح أين تجد نفسك ؟ الأمير : - كان هذا عندما تم العرض من قبل الحاج " سالم مبارك " بمشاركته في صيدلية " الساعة " بخبرتي ومؤهلي . فقد تعلمت الصيدلة بالمستشفي الحكومي " روسيو دولي مانويلو " المركزي حالياً . كنت ممرضاً وقتها ، وبعد دورة تدريبية أنتسبت إليها أنا و " سعيد السراج " لمد تسعة أشهر .فكان تعلمي على يد طبيبة إيطالية ماتت وهي في الثلاثينات من عمرها ، وقتها كنت فيالعشرينيات من العمر وفقير الحال ، فوالدي كان عامل نظافة في صيدلية " البلدية " في ذلك الوقت و حديث العهد بليبيا ، فهو من مواليد " أزمير" نتيجة مغادرة جدي ليبيا " وقت الهجة "أبان الاحتلال الإيطالي . حتى أن لكنته لم تستقيم إلا مؤخراً وبعد مدة من الزمن.

هذه الصورة تجمعك بالوالد ؟ الأمير :- هذا أنا وعمري خمسة عشر سنة مع الوالد وأخوتي لم يتبق منهم إلا أخي " حسن " . رحمهم الله جميعاً . وهذه في نادي الاتحاد الرياضي عندما قدمت فيها " أسكتش " و كان معي " محمد الفرجاني " المطرب الشقيق الأكبر للمطرب " نوري كمال". و" سعيد الخوجة و المعلق الرياضي " حسن الشغيوي " . وهذا وسام الريادة الذي قدم لي في عيد الوفاء.

ما هي المحطات التي ظلت في الذاكرة وكنت فخوراً بها ؟ الأمير : - أنا فخور بهذه الزيارة اللطيفة التي بعثت في نفسي الكثير من الأمل . فأنا سعيد جداً بوجودكم وانشالله تتكرر" هذه الزيارات ولو في المناسبات".

غادرنا منزل الأستاذ " مصطفى الأمير" وملامحه توحي بامتنان شديد لهذه الزيارة متمنياً علينا وبإلحاح بتكرارها فكان وعدنا له مطمئنا . ترى هل نستطيع تحقيقه في هذه الدوامة التي تشبه دوامة أم العروس " مشغولة وفاضية " ؟!!.

المصادر :- ثلاث مسرحيات ليبية / مصطفى الأمير تقديم بشير الهاشمي منشورات المنشاة الشعبية للنشر والتوزيع والإعلان . محادثة شفهية مع الفنان محمد شرف الدين.
*****************

ملامح من المسرح الليبي المعاصر ـ 3

للكاتب الليبي نوري عبدالدائم

أحد المسلسلات التي شاركت فيها "بنات مختار" كان من تأليف الفنان الكاتب المرحوم مصطفي الأمير، وإخراج الفنان محمد الزنتاني، والصورة تجمعني بالفنان الصديق" محمد إكرازة " “بعيو المصراتي


وداعاً " مصطفي الأمير"

بتاريخ " 28-4-2006 م " غادرنا الكاتب والمخرج والممثل " مصطفى محمد الأمير " عن عمر يناهز على 83 سنة " الى متواه الأخير بمقبرة " سيدي بوكر " . غادرنا "الأمير" العاشق الطرابلسي أبن " زنقة الريفي " بالمدينة القديمة ، التي تشكّل من ذاكرتها وأزقتها. كما شكّل هو ذاكرة جيله و ذاكرة مدينته فيما بعد.

" مصطفى الأمير " ومع بدايات القرن الماضي أرسل كالعديد من الأطفال إلى " كتّاب الزرقاني " ليلتحق بعده بمدرسة " أمير بيامونتي " الإيطالية ، ممضياً فيما بعد ثلاث سنوات في المدرسة الإسلامية العليا. غادرنا بعدما أنهكته خشبات المسارح . وملته " كواليسها " . تمثيلاً وإخراجاً وتأليفاً ، وأضنته ملاحقة مستجداتها في مسارح " ميلانو " و " أسراكها ".

هذه الحيوية التي كان يتمتع بها " الأمير " من ممثل في فرقة " نادي العمال " التي أسسها الشاعر " أحمد قنابة " سنة 1944 م حيث برز في مسرحية " العودة الى المدرسة " تأليف وإخراج " د . مصطفى العجيلي " . إلى مؤسس لفرقة تضم جيله من الشباب ، أسماها " فرقة الشباب الاستعراضية " سنة 1948م " التي كانت باكورة أعمالها " مرغوب معترض " و " ضربة القدر " وجمعية المناحيس " ومشاركاً في كل أعمالها تمثيلاً أوتأليفاً أوإخراجاً أو " مونولوجست ".

بعد توقف " فرقة الشباب الأستعراضية " . كان عضواً مؤسساً وبارزاً في " فرقة رابطة المعلمين " صحبة " شعبان القبلاوي ، كاظم نديم ، عثمان نجيم ، سعيد السراج ... الخ " وقدم لها العديد من الأعمال منها " خطر المدجيل ، جليس السؤ ، النجاة في الصدق " بالإضافة مشاركته كممثل . كانت خلاصة هذه التجربة " الفرقة القومية للتمثيل والموسيقى " سنة 1951 م " التي ضمت العديد من الأسماء المهمة في الحركة المسرحية الليبية ، " محمد حقيق ، الطاهر الجديع ، البهلول الدهماني ، محمد قنيدي ، الطاهر العربي ، شعبان القبلاوي " ، وليلتقي رفيقا سيرته الفنان " محمد شرف الدين " والممثل " مختار الأسود ".

مكوناً هو والأول ثنائياً في تأليف وإخراج العديد من الأعمال المسرحية " الدنيا ساعة بساعة ، اللي يديره بيده ربي يزيده ، طبيب ونص عن موليير ،العسل المر ، اللي تضنه موسى ، كل شيء يتصلح ، قبر مشيد ولا خيال مشوم ، حلم الجعانين ، دوختونا " التي عرضت من خلال هذه الفرقة.

فالأمير لم يقتصر دوره على التأليف والإخراج فقط بل كان يقوم بمهام التكوين والإعداد لأعضائها ، فالفرقة القومية سيرة طويلة والتي كانت محطته الأخيرة ، كما ألف العديد من التمثليات الإذاعية والمرئية . " المؤتمر في عددها ...... كان لها موعد مع المرحوم " الأمير " رأت بأن تنشر جزء من هذا الحوار إحياء لذكراه وقيمته كمبدع أثرى الحركة المسرحية على مدى ست عقود . وهذا سبب أكثر من كاف لدى المؤسسات الثقافية للبحث على أثاره ونشرها تكريماً لهذا المبدع الكبير.

المؤتمر :- ماذا عن الفرقة القومية ؟ الأمير :- أخر عمل كان " سويلمة " التي قدمها " مفتاح المصراتي " . بعدها كان مشروع تعاون مع المرحوم " الأمين ناصف "... أمضينا معاً جلسات عمل تجاوزت الشهرين في هذا المنزل . وأطلعني على رؤيته التي كنت راض عنها تماماً حتى أنه في بعض الأحيان يجسد أمامي بعض الشخصيات حسب رؤيته .... لكن مع الأسف اختطفته المنية قبل أن يرى هذا المشروع النور ... المنية غريبة أحياناً . كانت صدمة بالنسبة لي . ولكن هكذا شاء القدر.. فليرحمه الله .

المؤتمر :- ألا تذكر اسم العمل ؟. الأمير :- هذا العمل كان خلاصة أعمالي المسرحية . ولم نتفق على اسم له أنا والمرحوم . وما زلت أحتفظ بالنص كمخطوط وهو ضمن خمسة أو ستة أعمال لم تنفذ.

المؤتمر :- مسرحية " شهرزاد" كانت مشروع للمخرج " د.حسن قرفال " في المسرح الوطني وأيضا لم يكتب لها العرض.

الأمير :- لم يكتب لها العرض بسبب هذه الإعاقة التي سببها فتور في الأعصاب المحركة للعضلات حسب رأي الأطباء . حاولت البحت عن حل قبل حلول الأزمة فذهبت إلى ألمانيا ولندن ولكن هكذا شاء القدر ، الحمد لله على كل حال.

المؤتمر :- ماذا عن تأسيس الفرقة القومية ؟ الأمير :- كان تأسيس الفرقة القومية جماعياً ، أذكر أنا وشرف الدين كنا من الأوائل والمرحوم إدريس الشغيوي شقيق حسن . ثم التحق بنا الطاهر الجديع . فالذاكرة لم تعد تسعفني... كنا مجموعة . ذهبت الأيام وذهب الأصدقاء ... فلكم أشعر براحة عندما أعلم بقدوم زائر . فلكل عذره ... فتكاليف الحياة أصبحت صعبة ومنهكة فلا لوم على أحد .

المؤتمر : - انتم تمثلون جيل الريادة ، وتمثلون ذاكرة وطن . وتستحقون الكثير ومن حقكم علينا الكثير .

الأمير :- أشكركم على شعوركم الطيب ، والعذر معهم فلكل منا تفاصيله وهمومه الخاصة والوقت ثمين... نعود للمسرح .

المؤتمر :- توقفنا عند شهرزاد . الأمير : - حسن قرفال قدم عملين من تأليفي " ما يقعد في الوادي إلا حجره " و" بين يوم وليلة " التي قدمت فيه" لطفية إبراهيم" أداءً متميزاً ، ومن صميم إبداعها . .. خروجها في أول العرض ب" المكنسة " لتكنس ذلك الحاضر الذي سيقدم على الخشبة . كانت فنانة بمعنى الكلمة ." لطفية " فنانة كبيرة.

المؤتمر :- ما مصير المخطوطات التي في حوزتك ... ومدى إمكانية الإطلاع عليها ونشرها؟ .
الأمير : - سأبحث عنها . لا أدري هل هي في هذه الأرفف أم بالداخل سأبذل جهدي في البحث عنها . فالذاكرة لم تعد تسعفني فهذا المرض ووزن السنوات العشر كان ثقيلاً ... الحمد لله البركة في الأولاد . أنا أنجبت عشرة أبناء ستة أولاد وأربع بنات كلهم زوجتهم وعلمتهم . ومحفوف بثمانية وثلاثين حفيداً منهم الجامعي والدكتور والمهندس وعندي أبن الحفيد.

المؤتمر : - ماشالله ... تبارك الرحمن ... ربي يحفظهم . الأمير :- الله يسلمكم ..ويحفظكم .. ويحفظ الجميع .. وينجيكم من آفات الزمان ومن دعاة الشر" ومن العين.. مافيش زي العين تأخذ.

”رحِم الله الكاتب الفنان مصطفي الأمير، الذي أثر المكتبة الليبية بموروث قيم من الأعمال المسرحية، وتاريخ مسرحي حافل بالعطاء في كل إبداعات الفن، أتمني أن تعاد عرض مسرحياته علي خشبات المسارح الليبية والعربية فهي ذات قيمة تؤرِخُ لمرحلة مهمة في سنين المسرح الليبي وكذلك تؤرِخ لكاتب أعطي الكثير في مسيرته الفنية المسرحية عبر عقود من الزمن، فهل هناك أذان صائغة؟ فالمسرح الليبي أوضاعه معلومة للجميع ولا تخفي علي أحد، " الله المستعان " ولكن يبقي في الحياة نفس وروح، والشباب هم أساسها، فهل هناك شباب يتحمل أن يحمل ما صنعته هذه الأجيال عبر سنين وعقود من التعب والشقاء والإنتكاسات في دولة تردد دائِماً أن الفنان والمبدع له المكان، فأنا لم أرهُ في هذا الزمان “. بعيو المصراتي

*******************

السبت، 17 أبريل، 2010


ملامح من المسرح الليبي المعاصر

للكاتب/ نوري عبد الدائم


من خلال بحثي الدائم علي صفحات "الإنترنت" عن أي مادة تخص المسرح الليبي، وخاصةً قديمه المفقود أو نقول المعدوم فالمعلومات الموجودة شحيحة جداً، رغم تواجد الكثير من الفنانين الليبيبن علي الساحة الفنية، ولكن هذا هو الحال وهذا هو الموجود "خود وإلا خلي"، فالمهم أنني ومن خلال البحث وبالصدفة وحدها عثرت في موقع "مسرحيون" على أجزاء من كتاب “ملامح من المسرح الليبى المعاصر” للكاتب والناقد الليبي "نورى عبد الدائم"، والذي أسعدني جداً أن أجده من الأقلام المهتمة بالكتابة، بعد أن تركته ممثلاً مبدعا ومخرجاً متألقاً في المسرح الوطني، والحقيقة هي مفاجئه سارة أن أجد فنان من الأجيال التي ظهرت في عقد الثمنينيات، يهتم ويبحث ويدون عن المسرح الليبي لعقود طويلة.

يذكر أن هذا الكتاب صدر عن منشورات اللجنة الشعبية العامة للثقافة والإعلام، والذي سلط فيه الكاتب الضوء على حقبة من تاريخ المسرح الليبي خلال ما يقارب السبعة عقود من الزمن الماضي، وما أجراه من حوارات سردية فنيه ممسرحة على هيئة ديلوجات مع نخبة مختارة من كبار فناني المسرح القدامى ورواده اللذين أفنوا حياتهم في سبيل هذه "الخشبه" رغم الإنتكاسات والإحبطات، ورغم الإجحاف وعدم المبالاة من قبل المسؤلين لما قدمه هؤلاء الفنانين، من أمثال الفنان محمد شرف الدين، مختار الأسود، والمرحوم مصطفى الأمير، سعاد الحداد وعمران المدنيني.

كانت الحوارات ثرية ومشوقة تخللتها الحكايات والمواقف والأحداث، عبر فيها الفنانين عن مسهماتمهم الفنانية، ودورهم المشهود له فى تأسيس أولى الفرق المسرحية الأهلية، تلك الفرق التى قامت بدور كبير وفعال في النهوض بالحركة المسرحية، وإثرائها بالعديد من الأعمال الفنية الإبداعية والمسرحية، التي سطرتها خشبات المسرح في طرابلس ومعظم المدن الليبية .

يحتوي الكتاب على 192 صفحة من الحجم المتوسط، وضم بين طياته حوارات أخرى، مع عدد من فنانى جيل السبعينيات، الذين واصلوا مسيرة من سبقهم في هذا المجال، معربين بذلك عن تواصلهم الدائم والمستمر للمسرح الليبي، والذي بدأ رحلته الإبداعية والنضاليه منذ ما يقرب من مائة عام مضى، فضم الكتاب نخبة المبدعين من أمثال: المخرج محمد العلاقي، الفنان الممثل علي الخمسي، المخرج محمد القمودي، المخرج عبد الله الزروق، الفنان المرحوم علي القبلاوى.

وضمّ الكتاب أيضاً، مجموعة قراءات نقدية لمسرحيات ليبية شاركت فى بعض المهرجانات المحلية والعربية، كذلك تناول الكتاب بعض المشاكل التي واجهة مسيرة المسرح الليبى فى العقود الأخيرة وما رفقها من سلبيات، وخاصه في التظاهرات والمهرجانات والأيام المسرحية، التى كانت تقام بليبيا منذ السبعينيات من القرن الماضي إلي وقتنا الحاضر، وقد حاول الكاتب أن يجد المبررات والأسباب التي أربكت مسيرة المسرح الليبي، كالروتين والبروقراطية الإدارية، وغياب التواصل بين المسرحي والمتلقى، وانعدام النقد الفنى فى مجال المسرح.

أشكر الفنان والكاتب نوري عبدالدائم، علي هذا المجهود العظيم الذي يقوم به، لأجل توثيق وتدوين مرحلة من مراحل نضال المسرح الليبي، مع نخبة مهمة ومتميزة يشهد لها بالعطاء بلا حدود لهذه المسيرة المستمرة بدون توقف وفق الله الجميع وكلل أعمالهم بالنجاح الدائم.

وأنا ومن خلال مدونتي "الفضاء الرابع" سأبداء في عرض أجزاء من هذا الكتاب، لعلي أساعد ولو قليلا في نشر جزء من نضال المسرح الليبي، والتعريف بمسيرة مبدعينا طيلة العقود الماضية، حتى تكون دروساً للأجيال الحالية والأجيال القادمة.
**********
بعيو المصراتي

البي "مختار الأسود"


المسرح الليبي المعاصر (1)

الكاتب/ نوري عبد الدائم

البي "مختار الأسود"

الفنان مختار الأسود في مسلسل السوس

يقترن اسم " مختار الأسود " بشخصية " البي المدير " التي أستطاع أن يسبر أغوارها ويكشف عن سلبياتها من " طمع وجشع وانتهازية " على مدى مسيرته الإبداعية . بالإضافة الى حسه العالي في الدعاية للأعمال المسرحية بل يعد أحد رواد الدعاية منجزاً قفزة مهمة في هذا الجانب.

كما يقترن أسمه بأرشفة الحياة الفنية والمسرحية الليبية . فهو يحتفظ بكنوز من الصور والوثائق النادرة . . كما كان من الرواد الأوائل الذين ساهموا بعطائهم منذ إفتتاح الإذاعة المسموعة منذ تأسيسسها بمقر معرض طرابلس الدولي مع ركن الأطفال صحبة " كاظم نديم ، ومحمود السوكني ، وعبدالقادر الجزيري " . و حاضراً منذ بدايات المرئية في الساعة التجريبية لإذاعة الملاحة مشاركاً في أول مسرحية عرضت بعنوان " المكتوبة المحجوبة " صحبة " خديجة الجهمي ، محمد حقيق ، اسماعيل ريحان " كان أيضاً ضمن مؤسسي فرقة الفنون الشعبية طرابلس .

إنضمامه الى مدرسة الفنون والصنائع كطالب أهلته لأن يكون شاهداً حياً على تكوين أول فرقة سرحية في طرابلس " فرقة مكتب الفنون والصنائع طرابلس الغرب " سنة 1936 م.

مختار الأسود :- أنطلقت فكرة تكوين " فرقة خريجي مدرسة الفنون والصنائع " في مزرعة " محمود الفيلالي " باقتراح من " محمود نديم بن موسى " الذي لاقى تأييداً من الحضور " مصطفى قدري معروف ، احمد قنابة ، احمد الحصايري ، علي صدقي عبدالقادر ، علي المشيرقي " كنت انا ضمن الحضور الشاهد على هذه الفكرة كانت المحفز لهذه الفكرة عرض فرقة هواة درنة لمسرحية " لن اتزوج ولو شنقوني "التي كان " أنور الطرابلسي " يقوم فيها بدور المرأة التي عرضت قبل ميلاد الفكرة بأربعة أيام . كما اقترح الشيخ " محمود بن موسى " مصطفى العجيلي _ وكان وقتها حديث التخرج من مدرسة الفنون والصنائع، ليقوم بمهام الاشراف والتنسيق.

كان رواد الفرقة الوليدة كل من " محمد حمدي ، عبدالمجيد النعاس ، محمد مختار ،أحمد البيزنطي ، وبشير العريبي ، وعثمان نجيم وأخرون " أغلبهم من خريجي هذه المدرسة ، وقتها كان عمري 12 سنة فأنا من مواليد 1924 م وكنت ضمن طلبة القسم الداخلي حيث كنا نستمتع بتقليد " محمد حمدي ، وعثمان نجيم ،وعبدالمجيد النعاس ..." لخطب موسيليني كما كانوا يعرضون لنا بعض " الإسكتشات " وأغلبها باللهجة الدارجة المصرية.

"عثمان نجيم " كان بالإضافة الى ملكته كموسيقي ومطرب ممثلاً بهذه الفرقةأيضاً ؟ . مختار الأسود :- كان " عثمان نجيم " ممثلاً بارعاً ويجسد في الأدوار الرئيسية وهو الذي لحن نشيد " ليبيا يامبعث الهمم ..... يا عرين الاسد من قدم إننا قوم ذووا كـرم ........ فيك ضحينا بكـل دم ".

الذي أصبح فيما بعد نشيد فتح الستارة فكانت كل مسرحية تفتتح بهذا النشيد . بداية كان مقر الفرقة في مكتب الفنون والصنائع الى أن تم طردنا من المكتب فقمنا بتأجير حجرة صغيرة بفندق " الهنشيري " بمعرفة الدكتور " مصطفى العجيلي " الذي كان المحرك النشط في تأسيس هذه الفرقة الى ان اتتت الحرب العالمية الثانية التي طالت قنابلها " فندق الهنشيري " على إثرها توقف نشاط الفرقة.

عند مجيء الإنجليز تأسس " نادي العمال " بعدها " نادي الشباب " و " نادي النهضة " _ انا كنت ضمن منتسبي " نادي النهضة " _ أتفق الناديان على الإندماج في نادي واحدد وأختلفا على التسمية التي حسمتها كلمة الاستاذ " عمر الباروني " التي يشيد فيها بالإتحاد ومن هنا ولد " نادي الإتحاد " مع إبقاء اللجنة الإدارية التي كانت تدير نادي النهضة هذه الفرقة أنتجت العديد من الأعمال والتحق بها العديد من الرموز الفنية أمثال " مصطفى الامير " وقتها كنت ضمن اللجنة الثقافية في هذه الفرقة.

نعود لنادي العمال مختار الأسود :- ذهبت الى " نادي العمال " صحبة " الصادق بو هدرة ، الصادق بو زراع وابراهيم الفلاح باشراف " مصطفى العجيلي " وانتجنا مجموعة من العروض منها " مطعم ابوعلي ، عصمان في الجيش ، بنتي عايزة عريس ، " و مسرحية " يوم القادسية " التي صمم مناظرها فؤاد الكعبازي " مع " علي فتحي المحمودي وعلي القروش " وعرضت في مسرح الحمراء.

مختار الأسود :- سنة 1944 م أفتتحت ثانوية " الظهرة " دخلت لها صحبة " الهمالي اللافي ، وكامل حسنين " محمود فرحات مظفر الامير ، فؤاد الكعبازي ، الهادي عرفة المهدي الحجاجي ، التي كان يديرها " السير جريت ماجور " ، والمدير العربي ، العقيد " عبدالحكيم جميل سوداني " ، و" الشيخ محمد مسعود فشيكة " نائباُ للمدير ، " ويقوم بالتدريس كل من " محمود فرحات ، مظفر الامير ، فؤاد الكعبازي ، الهادي عرفة ، المهدي الحجاجي " وتم تعييننا للقيام بالتدريس في السنة الأخيرة أي سنة " 1947 م عندها أرسلت الى مدينة " الخمس " مدرساً للرياضة والتقيت التقيت ب " محمد قشاشة " و " عبدالعال المرابط " الذي عرف فيما بعد بــ " عبدو الطرابلسي " انباء على موهبة واعدة وهو شخصية وطنية غيورة . نشاءت بيننا ألفة يجمعنا الفن رغم فارق المركز والعمر عاملته كصديق وليس طالباً الى أن أقنعته بالمجيء الى طرابلس . بقيت مدة سنة في كل من " الخمس ، غنيمة ، شقران ، تاجوراء ، سوق الجمعة " ، كما درست في كل المدارس بطرابلس.

مختار الأسود :- كنت ضمن مؤسسي الفرقة القومية صحبة " محمد حمدي ، وحسن الشربيني " كتبت وأخرجت عملين مسرحية " ياندايمي " وهي من بطولتي ، ومسرحية " خليها في سرك " بقيت في الوطنية الى أن أنضممت الى " الفرقة القومية " سنة 1962 م التي يقضي قانونها بأن العضو الجديد لايحق له الترشيح لعضوية الإدارة . لم تمض ستة أشهر ووفق قرار إستثنائي رشحت عضواً فعالاً في مجلس إدارة الفرقة بقيت في هذهالفرقة الى الأن.

ماذا قدمت مع الفرقة القومية ؟ مختار الأسود :- كل اعمال الفرقة القومية " حلم الجعانين ، جناب المفتش ، الحنضل والشمام ، الخطاب المفقود ، دوختونا، قبر مشيد ولاخيال مشوم ، اللي تضنه موسى ، الجنازة كبيرة والميت فار ، الحمير والبردعة.

الم تقوم بتاليف او اخراج اعمال بالقومية ؟ مختار الأسود :- لم اقم بالتاليف والأخراج الا في فرقتي " الوطنية ونادي الشباب الليبي " الأخير كان يضم بين اعضائه " عبدالله كريسته ، عبدالسلام عبدو ،عبدالسلام العويتي ، المزداوي".

لك إسهاماتك الواضحة في الدعاية المسرحية .... كيف كان أسلوب الدعاية في المسرح وماذا أضفت في هذا المجال ؟ مختار الأسود :- كنا نفتقد الى الدعم المادي لاطلاق الدعايات كانت البدايات بسيطة وبمجهود شخصي . كان المنادي " البراح " يقوم بالإعلان على العرض بهذه الجملة " لاالله الا الله . ماتسمعوا الا الخير انشالله راهو الليلة يبو يلعّبو تمتيلية في سينما الحمراء يلعّب فيها فلان وفلان الخ " . و كنا نضع صورة " محمد حمدي " على الدراجة " تريشيكو " نكتب عليها اسم العرض وتوقيته . في الفرقة القومية أفترضت جنازة بنقلي لتابوت نقل الموتى من الفرقة الى الزاوية الكبيرة حيث تجمع عدد من الأهالي الى غاية " مسرح الحمراء " وأخبرتهم من الشرفة :- " الليلة ياخوانا مسرحية .... وهذا الميت بينوض هنايا في العرض.

وفعلت في مسرحية دوختونا؟ مختار الأسود:- عملت الدعاية على شكل مخالفات مرورية وضعت مجموعة منها بالليل متاخراً على كل السيارات ما ان يستيقظ المرء حتى يفاجاء بمخالفة مرورية تدعوه للعرض في احد المرات كان شرطي مرور يسجل مخالفة لاحد السيارات وعندما رجع وجد مخالفة وضعت على سيارته التي عبارة على دعوة للمسرحية .

افادني الأستاذ فؤاد الكعبازي بأنك كنت تحفظ حوار محرك " القراقوز " الذي كان يقال باللغة التركية . ما هي الشخصيات التي يقوم بتحريكها وتشخيصها ؟ مختار الأسود :- " الحاج جيوان . واليهودي ، وصاحب الخابية ، وولد الشلبي " . كان الرجل الذي يقوم بتحريك وتمثيل الشخصيات يقال له عمي " الوصفي " وابنه " علي الوصفي " وهو رجل جزائري ورجل أخر اسمه " عثمان القرقني " . توفي أخيراً.

ماهي أقدم صورة تحتفظ بها في إرشيفك ؟ مختار الأسود :- كان والدي هاو للصور فكان كل سنة يقوم بتصويري منذ السنة الأولى . اقدم صورة مسرحية سنة 1936 م لفرقة الفنون والصنائع . وصورة لفريق كرة القدم سنة 1921 م . صورة لطلبة مكتب الفنون والصنائع سنة 1914 م ، وصورة للتخت الموسيقي العربي سنة 1935 م بقيادة " زكي مراد " والد " ليلى مراد " وهو يهودي ليبي هاجر في الأربعينات الى مصر واعلن اسلامه وتزوج مصرية وانجب ليلى مراد.

ما تقييمك للحالة المسرحية الأن ؟ مختار الأسود :- أحني في حاجة إلي المثل الليبي الذي يقول " اعطي للبرمة تعطيك " نحن نبيع الهواء والهواء بحاجة الى دعم مادي .

من المخرجين الذين ترتاح معهم أثناء العمل ؟ مختار الأسود :- أرتاح للعمل مع المرحوم " مصطفى الأمير " عملت مع المرحوم الأمين ناصف في مسرحية " راشمون " والمرحوم " صبري عياد " في مسرحية " وتشرق الشمس من جديد".
************

'مانيفستو السرور'

لتوفيق الجبالي: المسرح صورة تشكيلية


نبيل درغوث

توفيق الجبالي كائن مسرحي بامتياز. يعيش المسرح كلّ ساعة بل كلّ دقيقة في جدّه وهزله مع الناس. حياته مسرحية متواصلة من دون نهاية. يعشق المسرح كعشق المتصوفة حتى نكاد نقول إنّه المسرح والمسرح هو.

رجل يؤمن بالخطاب المسرحي كفعل ثقافي يمكن أنّ يغيّر العالم ويمكن لنا أيضا النجاة به من الدمار والقهر والغبن والتهميش الذي نعيشه في ظلّ الموجة الجديدة للامبريالية تحت مسمى 'العولمة' هذا النظام الجديد التي تسعى الولايات المتحدة بكل ما أوتيت من قوة فرضه علينا وأن نقبل به فلسفة حياة وأن نتخلّى عن مورثونا وعظمة ثقافتنا المتجذرة في شرق الحضارة. نحلم من خلال مسرح توفيق الجبالي بغد أفضل وصبح قد ينجلي من العتمة. مسرحه كأنه جرعات مضادة للعولمة.

منذ منتصف الستينيات وتوفيق الجبالي طلائعي في مسيرة المسرح التونسي مستقبلي الرؤية فهو من أصحاب بيان الأحد عشر الذي من بين ما جاء فيه من أفكار أنّ 'المسرح وسيلة ضرورية لتغيير ممارسات الناس وهو يوقظ الضمائر ويقف ضد السلبية وعلى المسرح أن يقوم بوظيفة التحريض والاحتجاج ويدفع المتفرج إلى أن يتساءل باستمرار عن قضاياه اليومية'.

وحول أهم ما كانوا يدعون إليه الأحد عشر في بيانهم قال الدكتور محمد المديوني : 'يدعون إلى العمل على إعطاء المسرح معنى اجتماعيا والسعي إلى إبراز وظيفته التغيرية وجعله فاعلا وفي خدمة الناس ... ونادوا بإقامة حوار مع الجمهور الواسع والتفاعل مع شواغله اليومية وتنزيلها منزلتها التاريخية والعمل على توعيته توعية يصبح معها قادرا على تغيير حاله ومنزلته'. أطلّ علينا توفيق الجبالي هذه المرة بعمل جديد. فهو كلما يقدم عملا إلا أحدث ضجّة وأقلق أصحاب العقول المتكلسة وأثار سخطهم من حوله.

عمله الجديد مسرحية 'مانيفستو السرور' اعتمد فيه على كتابات علي الدوعاجي (1909-1945) الذي اختار منها الجبالي ما رآه متماشيا مع الواقع الاجتماعي والسياسي والثقافي الراهن للمواطن التونسي (والعربي). هذا الاقتباس لم يفقد النص قيمته وإنما زاده تأصيلا. وفي استحضار هذه الكتابات إحياء للعمل الأدبي والذاكرة الثقافية والهوية. يقول توفيق الجبالي : 'نريد أن يكون الدوعاجي فنان المساكين (الغلبة) وأن يكون عزيزا كريما ذكيا هازئا مختالا بخياله الدافق الحر اللذيذ... وليغفر لنا الدوعاجي أن كنا أهملناه طول هذا الوقت ذلك إننا حسبناه مقيما خارج الوطن في بلد اسمه 'بلاد الطررني'.

إن مسرح توفيق الجبالي عمل سينوغرافي ذو دلالات متعددة. ينتمي إلى فنون الفرجة الخالصة. ووفق متطلبات هذه الفرجة أنجز توفيق الجبالي مسرحية 'مانيفستو السرور' واعاد كتابة الدوعاجي ركحيا وهذا ما نستشفه في لوحة 'راعي النجوم' (نص مسرحي لعلي الدوعاجي) من خلال توضيب ركحي اعتمد ستائر بلاستيكية بيضاء اللون واستغلال محكم لتكنولوجيا الإنارة ليؤثث بهما توفيق الجبالي الفضاء الركحي بصريا.

فانعكاس الضوء على أجسام الممثلين شكّل صورة ظليه للممثلين من وراء الستائر(Paravent juxtapose) )مربعة الشكل) ليصبح المشهد كأنّه نيغاتيف الأفلام الفوتوغرافية. فهذه الرؤية الإخراجية تتقاطع مع فنون وجماليات أخرى كالفوتوغرافيا. فاجتماع الإضاءة والستائر وظلال الممثلين كون صورة تشكيلية تصويرية تؤكد القدرة الإخراجية الكبيرة لتوفيق الجبالي.

لكن هذه الستائر (كأنها مستعارة من 'جان جينيه') والإضاءة لم تكن مختصرة على لوحة راعي النجوم فقط بل كانت مكون أساسي من التوضيب الركحي للوحات الأخرى مع توظيفات مختلفة من لوحة إلى أخرى برؤية سينوغرافية ذات مفردات بصرية وتشكيلية تحمل الكثير من الدلالات الأيديولوجية والاجتماعية.

مانيفستو السرور' مسرحية قائمة على ثنائية فعل كلامي وفعل حركي تتجلّى فيه درامية الشخصيات المتباينة في مستوياتها الثقافية والاجتماعية ورغباتها ومواقفها. فبوليفونية الأصوات والحركات الجسدية والإضاءة المتحركة الموظفة لكسر (انعكاس الضوء) الوجوه والصور حولت خشبة المسرح إلى فضاء علاماتي مركب معبرا عن مشاعر وعواطف وأحاسيس تختلج صدور الإنسانية جمعاء.

مع الستائر والإنارة والموسيقى التعبيرية والكوريغرافيا الجسدية والصورة البصرية شكّلت بمجموعها نسيجا فنيا متكاملا للعمل. هذه الغواية الإبداعية المسرحية برهنت على إمكانيات تعبيرية عريضة لتوفيق الجبالي ويبقى المسرح كما قال الناقد المسرحي عواد علي : 'فضاء جمالي - دلالي لتمظهرات خطابية مفرطة في اللاتجانس تتنافر وتتعايش وتدخل في علائق حوارية تفضي دائما إلى نتيجة ما.

"هذا هو الجبالي طائر الركح الذي لا يحط إلاّ واقفا".
***********
كاتب صحافي تونسي
عن القدس العربي


لماذا تركت الحصان وحيدا؟'
لجواد الأسدي: شهادة ضد الموت والواقع


سميرة عوض

55 دقيقة من ' اللهاث' غضبا من ' الغضب' وعليه، وغضبا من ' الموت' وعلى قسوته، أمضاها الجمهور في المسرح، تماما كما أمضاها ممثلو العرض المسرحي ' لماذا تركت الحصان وحيدا؟' على خشبة المسرح وقبيل الانتقال إلى الجو المسرحي، لا بد من تذكر الحقائق التالية:

منتج العرض: مسرح بابل ـ لبنان
سيناريو وإخراج: جواد الأسدي ـ العراق
الأداء: بسام أبو دياب، عبدو شاهين، نسرين حميدان ـ لبنان
النص: الشاعر محمود درويش ـ فلسطين/ العال
مكان العرض: مسرح المركز الثقافي الملكي ـ الأردن

وكل ما سبق أشبه ما يكون بـ ' كونية' شعرية درويش، كما ولا بد من التذكير أيضا بأن على الجمهور ' أن يدخل' المسرح دون ' توقعات استباقية' لأن العرض ' مدهش' بالمعنى المسرحي، و' صادم' بالمعنى الوجودي، ذلك أنني- وبالتأكيد غيري ظللنا طيلة العرض نتحسس كم هو قريب الموت منا.... الموت بمعناه الفيزيائي، والموت بمعناه الإنساني، إذ ظل السؤال الذي طرحه الممثلون وردّدوه طيلة العرض ' لماذا تركت الحصان وحيدا يا أبي؟'، وردده جواد الأسدي حين قرر مسرحة شعر محمود درويش.. ليردد السؤال الاستنكاري الوجودي الذي طرحه الراحل درويش: لماذا تركت الحصان يا أبي، فتخرج من العرض برفقتك ذات السؤال، يدق في جدران عقلك، ويعتصر قلبك.

والعرض المسرحي، الذي قدم في إطار أيام عمان المسرحية 16 على مدار يومين، حظي بجمهور حاشد، ولكن للحقيقة ' كثيرون' خرجوا غاضبين، وعندما حاورتهم، اكتشفت وكأنهم حضروا ليشاهدوا درويش، كونهم اشتاقوه، متناسين أن العرض المسرحي مستوحى من نصوص لمحمود درويش، وأنهم لن يشاهدوا درويش يلقي أشعاره بأسلوبه الخاص، كما أنهم لن يشاهدوا سيرة شعرية لقصائده، وهذا ما أضاع عليهم ' فتنة العرض المسرحي' الذي أحسبه تراجيديا سوداء تسخر من الموت، لسبب بسيط وجوهري في آن معا - انه الأقوى.

والعرض جاء أشبه بتحية للشاعر الراحل وقراءة وجودية ممسرحة لعلاقة قصيدته بجدلية الموت والحياة والألم والوضع الفلسطيني المزمن، وليس بعيدا عنه الوضع في العراق بلد المخرج.

بصوت غاضب قوي يقرأ ممثلو جواد الأسدي مقاطع من ' حالة حصار' و' الجدارية' و' لماذا تركت الحصان وحيداً؟' عبر صياغة ممسرحة ' صوتيا' و' حركيا'، تجسدت في ديكور أسود، ونعوش، وثلاثة ممثلين، نقش على جسد أحدهم بالحروف الأبجدية، حركات عنيفة ترافقت مع موسيقى عنيفة، غبار/ ضباب كثيف، أصوات بنبرة درامية عالية. هناك أيضا الجدران الفلسطينية المرتفعة، وهناك التعذيب والاعتقال في عزلة الجدران المعدنية التي تحاصر النعوش، وسينوغرافيا من جدارين معدنيين على جانبي الخشبة لهما نوافذ حديدية على يمين ويسار المسرح، وآخر في عمقه، يميل مع سطح المسرح بنحو زاوية 45 درجة، مشكلا ' جبلا' حديديا أملس حاداً، تضافر مع إضاءة ' قاتمة' مناسبة نفذها علاء ميناوي، فيما تولى تنفيذ الصوت عبد الله الأسدي، وتنفيذ الموسيقى باندا رسيكي.

والعرض المسرحي بحسب مخرجه وصاحب الرؤية السنوغرافية جواد الأسدي العراقي المقيم في لبنان ' محاولة لكسر موروث قراءة الشعر ذي النبرة الصوتية وتحويله إلى جمل بصرية يشتبك فيها الجسد وما يحمل من تفجر حسي وروحي مع الغناء التراجيدي والتمثيل البعيد عن الكليشيهات الموروثة، المتعارف عليها، ويجري التشابك على منصة سينوغرافية للتماعات ضوء وصوت وجسد، ولكيانات تعبيرية مسرحية، مقترحا شكلا جديدا في تقديم الشعر على خشبة المسرح.

ويرى الأسدي أن ' في الجدارية ثمة مرارة وحيرة وحزن يلتمع ويلتم على خسارات وجودية وشهية مفتوحة اللذة لاستكمال حياة حتى في الموت، الموت نستولوجي مجدافه حنين ومتعة العودة إلى الحياة المستحيلة

وزاد الأسدي: ' يوجعني شعب درويش المحدد على عباءة وطنه، الشعب المهموم المقسوم، الممزق الرئة، المرفوع على جبل جباه تريد أن تتوثب لتعبر، لكنها تتمرد لتموت في الموت وتشعل قناديل النبيذ مع حور عين، شرسات يسحبن وراءهن عربات ضخمة من الموتى العراة، العراق وفلسطين وحصان واحد يجر عربة النجاة فقط وسط تخمة الموتى في الممرات المحتشدين على أبواب الشوارع، لأوطان خيالية من المخلصين، بلا دور أوبرا ولا ندابات ولا مروض نساء ولا خنازير سياسية ولا شعراء يحولون الحب إلى طريدة والمرأة إلى مطرود أبدي، ممثلون، راقصون، يغنون في فراغ حديدي، وأجساد مائلة تبتلع الأوطان مثل خبز طري من باب الجنة الشعرية، ممثلون شغوفون بالحفر والصهيل على أرض دائمة العطش".

ويظل الأسدي في كواليس المسرح - بعد انتهاء العرض ـ يردد متسائلا: ' لماذا نترك الحصان وحيداً يلوك الأغاني ويمضغ الأعراس تحت حوافر قدميه الحرتين وذيله الممتد من حفرة في الجسد إلى ثقب في السماء؟.

من جهتها قالت المخرجة الأردنية سوسن دروزة التي تابعت العرض: ' هذه المسرحية تناقش ( جزئية) عاطفة معينة في أعمال محمود درويش، انها جزئية الغضب، وكأنما المخرج غاضب لان الموت اخذ محمود درويش، فهو في هذا العرض لا يبحث في تجليات شعر محمود، فمن الواضح ان العرض لا يهدف إلى تقديم التسلسل الشعري الخاص بمحمود درويش، وكأنما المخرج اراد من الديكور الذي يترواح بين السجن، وخزان غسان كنفاني في روايته ( رجال في الشمس)، وبين سفينة نوح وبين الخلاص، اذ يبدو الجدار الحديدي الوسطي المائل مثل السلم الاملس، فالممثل محاصر وكأنه ' يفعفط' من حرارة الروح، وهذا ما تدل عليه ' جملة الممثل / الشاعر' انتظر لأرتب حقيبتي.

وترى دروزة أن ' العرض كان بحاجة لبحث أكثر ومزيد من التعمق كي لا تتكرر جزئية الغضب المريعة طيلة العرض، حتى ندرك فكرة الحياة بالمقابل، وكانت هذه الجزئية ضرورية للعرض - كما ترى - متساءلة: هل الحياة نفسها هي الجحيم؟ أم هم يتوقون للهروب من الموت؟؟ ولذلك وجدت فيه استعادة لكنفاني وسارتر، وهل هم في الموت؟ ام في الحياة...؟؟؟

وتقترح دروزة أنه كان يمكن إجراء تنقل بين الاجزاء، فمن الممكن انكار الموت، ثم الغضب من الموت، ثم تقبل الموت... حتى نعرف كيف نبرر الموت ونتعايش معه. معلنة احترامها لخيار المخرج الاسدي ومقدرة له، واصفة المسرحية بـ ' أنها عرض بصري جميل ومتقشف في استخدام المكان والأدوات إلا انه أدى غرض المسرحية عبر سنوغرافيا جميلة وغير متكلفة.
**************
عن القدس العربي