السبت، 29 مايو، 2010

مسرح ومسرحيون ومقاهي ( 4 ) .. بقلم بعيو المصراتي


مسرح ومسرحيون ومقاهي ( 4 )

عن المسرح الحر ومقاهي بغداد

بقلم بعيو المصراتي


مسرح المحرومين* يقدم أحد عروضه المسرحية، مسرحية "يوميات عبدو" والمأخودة من مذكرات أحمق" لنيكولاي قوقول "، وهي من إقتباس وتمثيل وإخراج الفنان المخرج عبد الرزاق بن عيسي**، العرض تم تقدمه بإحدى المدارس بمدينة بركان المغربية ، إنتاج 2010م.

هذا ليسَ مسرحًا، أنتم هنا لمضايقة الناس، إنّه إزعاج، هذا ليسَ بفن، هذِه شقّة سكنية يجب أن يستفيد منها مواطن، أبحثوا لكم عن مكان أخر، فنحن نريد هذا المكان، أجلاً أم عاجلا

جملة قالَها "أمين المؤتمر الشعبي للساحة الخضراء" (1) منتفضًا واقفًا، بعدَ أن احتدّ النقاش بينهُ وبينَ الفنان مصطفى المصراتي والمرحوم سالم بوخشيم وبعضَ الأعضاء بفرقة المسرح الحر. حدث هذا في ابريل 1983.

غادرنا هذا "الأمين" مسرعًا، دونَ أن يسمعَ منّا أيّ ردّ على رسالتهِ، التي داهمنا بها دونَ أيّ مقدّمات. فطلبَ الحاج سالم تهدئة الأمور كَي نستطيع التصرّف مع ما هو آتٍ، فقد مرّ المسرح الحرّ بظروف صعبة أجبرتهُ للخروج من مقرّهِ الذي كانَ في شقّتان كبيرتان واسعتان بهما شرفتان واسعتان تطلاّن على شارع محمد عبده بوسط مدينة طرابلس، تعطي بعدًا خيالياً للفنّان وهو جالسٌ يحتسي قهوتهُ ويدردش مع أصدقائهِ الفنّانين.

هذا "اللا مسؤول" هو نفسه من سعى لفقداننا إلى المقر الأصلي للفرقة، وبعثرت أثاثهُ وديكورات ومكملات وإكسسوارات وملابس مسرحياتهُ، ورمى بها في محلاّت متهالكة بشارع ميزران، فقُلبت هذهِ المحلاّت وأصبحت تحتَ الأنقاض بعدَ أن دمرتها "جرّارات" الهدم فضاعت وضاع معها ذاكرة المسرح من ملصقات وكتيبات وصور، التي كانت تؤرخ للمسرح الحر وتاريخ المسرح الليبي، إلاّ بعض ما استطعنا حملهُ من تحت الأنقاض وهو قليل.

كلّ هذا تمّ بعدَ أن قامت الدولة بعرقلة الموافقة على النصوص المسرحية، التي تتقدّم بها الفرق الأهلية من أجل تقديمها علي خشابات المسارح، فكانت الإجراءات الروتينية الطويلة والمملّة والرقابة الصارمة تفرض نفسها وبقوة في ذلك الوقت، حتى أنّ وزير الأعلام صارَ من مهام عمله وتخصّصه الموافقة وإجازة النصوص المسرحية التي تصب لديه من كل أنحاء ليبيا، فأصبحت النصوص تتكدس على مكتب الوزير، فبالتالي فأن اتخاذ القرار بخصوصها يعتبر وكأنه من أكبر الكبائر.

ولهذا هجرَ المسرحيون فرقهم المسرحية، وخاصةً المسرح الحرّ، لأنّ فنانيها مطلوبون في التلفزيون والإذاعة لمَا يتمتّعون به من نجومية وإمكانيات تؤهلهم لذلك، وبقيت الفرقة على هذا الحال، فطمعَ من طمع في المقرّ والمكان، وهذا ما حدث وهكذا كان.

وعندَما عادَ بعض مؤسسيها لإعادة إحيائها بدماء شابّة وجديدة، وكانَ هذا الاتجاه واضح على سير العمل بمسرح الحر، وبداية التدريبات ونشاطاته. ولكن فاجأتنا قرارات إخلاء مقار الفرق المسرحية، والاستفادة من مقرّاتها كشقق!! هذا ما قالهُ لنا (الأمين) آنذاك.

بعد النقاش الحاد الذي كان بيننا وبين ذلك "الأمين"، في اليوم التالي وصلنا استدعاء لاجتماع بخصوص ذات الموضوع، وكانَ علينا حضور ذلك الاجتماع. إلا أن الحاج سالم بوخشيم قالَ لنا أنّهُ لن يحضر هذا الاستدعاء وسينتظرنا. أمّا الأستاذ مصطفى المصراتي فقد طلبَ منّي الذهاب معهُ لاستيضاح الأمر. ذهبنا في الموعد فوجدنا مجموعة ملتفّةً حول طاولة مربّعة، أمامَ كلّ واحداً منهم بعض الأوراق، ويترأس الجلسة شخصٌ مسئول لم أعرفه وقتها ولم أتقابل معهُ من قبل، إلاّ أنّهم كانوا ينادونه بـ "سيادة المقدّم" (2)، وقامَ هذا المسئول بتوجيه اتهام كالذي وجهه لنا "الأمين" سابق الذكر، وكردة فعل مني رددتُ اتهامهُ عليهِ، و أوضحتُ له بأنّنا أناسٌ محترمين وفنّانين نؤدي عملنا بكلّ احترام، وبأنّ المسرح الحرّ منذُ العام 1970م وهو بهذه المنطقة ولم تصدرُ بسببهِ أي شكوى من أي شخص. عندها طلبَ منّي المسئول أن أهدأ وطلبَ لي كأس ماء، ثمّ طلبَ من الأستاذ مصطفى المصراتي أن يعودَ لهُ لاحقًا ليقدّم لهُ اقتراحات لمقرّات كبديل لما نحنُ بهِ.

وفي اليوم التالي ركبنا سيارة الأستاذ الفنّان مصطفى المصراتي. وكانَ المرحوم الحاج سالم بوخشيم يجلسُ على الكرسي الأمامي، بينما كنتُ أنا قابعٌ على الكرسي الخلفي أنظرُ من النافذة الزجاجية. وضعَ الأستاذ مصطفى المصراتي شريط كاسيت فأنطلق منه صوت الفنان محمد عبدالوهاب، يغني"يا بابور قلّي رايح على فين، يا بابور قلي وسافرت منين". كانت مدينة طرابلس وقتذاك أشبهَ بالمدينة المهجورة الخاوية على عروشها. محلاّتها ودكاكينها مقفلة، مقاهيها أقفلت أبوابها ونوافذها عن روّادها، شوارعها خالية، بيوتها كانت تعبّر عن كآبتها وحزنها، حينها كنتُ أنظرُ من النافذة، وكانَ شريط الذكريات يمرّ كشريط سينمائي من أمامي. كانت دندنات الحاج سالم بوخشيم المردّدة للأغنية، هي التي تصحني من سرحاني وتفكيري. أدندنُ معهم تارةً، وأعودُ إلى ذاكرتي وطرابلس تارةً أخرى. وأحدث نفسي "لقد تغيّرت ملامح طرابلس، أينَ تلكَ المدينة الحيّة التي كانت مفعمة بالنشاط والحيوية؟".

وهنا أستحضر من ذاكرتي حواراً " للمسئول وحاكم المدينة "من مسرحية مونودراما"نزيف الذاكرة" *** أسمعوا أيها الدرويش ، أسمعوا أيها الفقراء ، أسمعوا أيها المحرومين .. إنها سنة التطور والتغيير .. نحن المسؤولين عن هذا الوطن نريد تغيير ملامحه أبحثوا لكم عن مصدرِ رزقٍ أخر ودعُونا من الفقر والرقع... أنظروا حولكم ترون الأجساد مزينة .... قبح الله الفقر والفقراء والتعساء والمحرومين ... فلتُهدم كل أسواق الدولة .. وأسواق الخردة "الروبافيكيه" ... وكل الدكاكين والمحلات والمقاهي التي يكثر فيها الكلام والقيل والقال.... عاش التفتح التكنولوجي وزمن الرفاهية والانفتاح .... وزمن الانبطاح ”

توقفت بنا السيارة على محالٍ ودكاكين كثيرة، كانت مقفلة ومهجورة بأمر من السلطان. قمنا بفتحها لنرى إن كانت تصلح مقرًا للمسرح الحر أم لا. فوجدنا بداخل كلّ منها بضائع مكدّسة لمالكيها الذين كانوا فيها. نقفلُ المحلّ ونذهب لغيرهِ فنراه بنفس الحال، وهكذا أمضينا النهار بأكمله، ونحنُ نتجوّل وبينَ أيدينا مفاتيح المدينة.

في نهاية اليوم، توقفنا عن البحثْ وقررنا إعادة المفاتيح لأصحابها، فنحنُ لا نتحمّل وزرَ هذا الحمل، إنّهُم ينتظرون الذينَ أتوا لنهبهم فيما بعد، وسرقوا محتوياتهم وغيّروا سجلاّت مالكيهم، فقلبوا المدينة، وهذا ما نراهُ اليوم ، رائِحةُ السرِقة والنهب تفُوح من شوارِعها وأزقتِها ودكاكِينها بل وحتى من منازلها ، فكيف تنام الأعينْ وتغمضُ الجفونْ في هكذا مدِينة؟.

عندَ عودتنا أصرّ الحاج سالم على أن نجدَ لهُ مقهى مفتوح، لأنّهُ كانَ يريدُ "مكياطة" يعدّل بها "دماغهُ" بعدَ يومهِ الطويل والكئيب هذا، فقلنا لهُ لن نجدَ لكَ طلبك يا حاج، وعلينا بالفرقة والقهوة العربية، فهي أحسنُ مكانٍ لنا إن لم نجد أبوابها قد شمّعت!.

في الفرقة أخذ الحاج سالم قهوتهِ وسردَ لنا حكاياتٍ عن المقاهي، وخاصةً بالعراق التي تواصل معها بعدَ زيارتهِ للكويت، فكانت حكاياتهُ مشوّقة وطرافة، فأنستنا شجونَ اليوم المتعب. وهذا ما جعلني أبحث عن مقاهي بغداد الأدبية والثقافية اليوم.

في بغداد، ومع جيل الخمسينيات، أسست المقاهي الأدبية المرحلة الذهبية من تاريخ الأدب والفن والشعر والقصّة والرواية والمسرح والفن التشكيلي، ومع عالم الشعراء والأدباء الكبار من أمثال البيّاتي، وسعدي يوسف، ومظفّر النواب، وغائب طعمة فرحان، نرى أنّ عالم الأخير الروائي مختزل في المقهى كمكان سيكولوجي لمواجهة الآلام والهموم الثقافية والسياسية. وهناكَ أيضًا جواد سليم الذي كتب في مذكراته حولَ ما شكّله المقهى في فنّهِ "الآن عرفت اللون، الآن عرفت الرسم"، وغيرهم من الأسماء التي أصبحَ لها شأنها في الحياة الثقافية العراقية بشتّى أنواعها. كما كانَ للمسرح دور فعّال في هذهِ البنية الثقافية، فهو في النهاية أبو الفنون وجامع التشكيلة الفنّية.

كانت هذهِ المقاهي الأدبية هي المؤسس للمثقفين والأدباء والفنانين والمسرحيين المتواجدين في كل بقاع العالم، خاصة بعد الظروف التي مرت بها العراق في الأخيرة السنوات الماضية. مقاهي بغداد هي صورة تمثل الحالة الاجتماعية والثقافية وحتى السياسية، التي عليها المجتمع والفرد والمثقف، مثلَ مقهى البرلمان والبرازيلية نسبة لصناعة البن في البرازيل، ومقهى الشهبندر وكذلك مقهى الجماهير الذي بات موطن المثقفين البغداديين، وغيرها من المقاهي العراقية.

أمّا الكتاب والمثقفين، فهناكَ من يسترجع ذاكرته حول المقاهي القديمة ببغداد، فيقولون بأنها كانت أشبه بالمدارس، فيتنافسون ويتعرفون على أخر الإصدارات في العراق أو في الدول العربية.

أمّا مقاهي (الوقت الحالي) في بغداد، وبعض المدن الأخرى، فلها شكل أخر، فيقول الكاتب جيّاد تركي: "هذهِ الأيام نصاب بنوع من الإحباط، خاصةً بما يتعلّق بالأحاديث التي تدور في المقاهي، بينَ التلاميذ وأساتذتهم، إّنّها أحاديث خالية من أي مغزى وأي هدف، وربما متواضعة في جوهرها، فنترحم على مقاهي أيام زمان".

يرى بعض المثقفين والأدباء بأنّ المقاهي بمختلف أشكالها ومحتواها، تعبّر عن الناس بمختلف أنواعهم وطبقاتهم، وأنّ التصنيفات التي تسمّى بها هذهِ المقاهي يضعها روادها الحاضرين فيها. ويمثّل المثقفون والفنّانون حالة خاصة من هذهِ المقاهي، فهي تزداد شهرة لتوافد كم كبير من المبدعين فيها للتفاعل مع المواطن وجهًا لوجه، وفي نفس الوقت تعطي حالة أخرى، تعبّر على أنّ المقاهي هي عيون الناس أو مرآتهم التي تعكس حالتهم الثقافية والسياسية والاجتماعية، ومن خلالها يسطّر المبدعون أعمالهم والتي تمثّل حالة مجتمعهم.

في اليوم التالي أعدنا مفاتيح المدينة لمن استولوا عليها وقلنا لهم: نحنُ سنبقى في مكاننا ولن نبرحهُ حتى نجدَ مخرجًا لحالنا، فأبواب الفرق المسرحية لن تقفل، ستبقي مفتُوحة لروادها، ونوافذها لن تُغلق ستبقي صامدة، وهذا ما حدث وهكذا كان.

توقفت عن الكتابة وعن استرجاع الذاكرة، فهي مكتنزة بكل ما هو حزين وبهيج، ذكريات مع أصدقاء أكن لهم كل الاحترام والتقدير، عندما كنا في يوماً ما نحاول تقديم شيءٍ ما على خشبةٍ ما في زمنٍ ما. وأنا في سرحاني وتوقفي هذا، سمعت أصوات تجلجل هنا وهناك هاتفة باسم (ليبيا، ليبيا، ليبيا)، هرعت إلى النافدة التي كانت أبوابها مشروعة لكل نسمات تهب إلينا، قلت لنفسي أنها أصوات المدينة، شعب المدينة، هناك شيءً ما تحرك في هذه البركة النائمة، لملمت أوراقي وحاجياتي مسرعاً، واحتسيت ما بقي في قهوتي، وخرجت باحثاً عن نسمات الحرية التي هبت علي شعب المدينة.

وفجأة عندما قفزت للشارع لفحتني نسائم باردة أثلجت وجهي فأيقظتني مما أنا فيه ، تسمرت في مكاني ألتفت يميناً ويساراً فوجد نفسي في أحد شوارع مدينة مانشستر، رفعت رأسي فوجدت المقهى الذي أعتدت أن أجلس فيه كلما أردت الكتابة، عندها أيقنت أنني أحلم أو ربما يتهيأ لي أن هناك نسائم تلفها الحرية هبت علي شعب المدينة، ولكن ليست هذه المدينة وليس هذا الشعب.

تحركت كالمعتاد سائراً في طريقي لملاقاة زوجتي وأبنائي فاليوم "سبت " وهو اليوم المعتاد لقضاء أوقات خارج جدران المنزل، تحركت في طريقي عابراً "البيكادلي"، عندها طرف إلى سمعي صوت عبر الميكروفون ينادي بليبيا، ليبيا الحرية، ليبيا الديمقراطية، ليبيا حقوق الإنسان، صوت ينادي بدولة القانون فلا قمع ولا مشانق ولا خنق الأصوات التي تجاهر بالحق، ألتفت لمصدر الصوت فرأيت شاباً في الأربعينات **** يعتلي إحدى المرتفعات، يحمل في يده العلم الدستوري الليبي، وفي اليد الأخرى الميكروفون، يتكلم صارخاً بأعلى صوته أحياناً تفهم كلماته بوضوح، وأحياناً يتحشرج الصوت فتختلط الكلمات، ولكن الصور التي يرفعها تعطي الصورة واضحة لا مجال للبس فيها، هناك من وقف يستمع أليه وهناك من يأخذ منه بعض الأوراق التي معه شارحاً فيها أوضاع ليبيا وما ألت إليه، وهناك من ينظر له ويذهب في حال سبيله، وهناك من لا يلتفت له، ففي هذه المدينة كل إنسان له الحق في التعبير عما يريد دون شرط أو قيد.

توقفت متابعاً وأَنا أتوهم أَن هذا الذي أراه أمامي قد يحدثُ بِالفعل فيِ ليبيا، فَماذا يا تُرى سَتكون ردتَ الفعلْ، الكل يعرفُ ويفهم أنها ستكُون مزلزلهْ، فأتباعُ السلطةْ وحاميها و"حراميها" وأزلامِها و"بصاصيها" و"قوادِيها" لن يرضُوا بهذا ولو كان في أقاصيِ الدنيا، والأحداث الأخيرة في لندن تشهد على ذلك. ذهبٌت في حال سبيلي وأنا أردد وأدندن...... " ما بعد الضيق إلا الفرجِ، ما بعد الضيق إلا الفرجِ".

وللحكايةِ بقيهْ......

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش : -

*مسرح المحرومين : هذا الأسم أطلقه الفنان المبدع الصديق " عبدالرزاق بن عيسي " علي الفرقة التي قام بتأسيسها من منفاه داخل "الوطن" المغرب، بمدينة بركان في الشمال الشرقي. هو مسرح المحرومين من كلمة الحق والصدق والرأي الحر، هو مسرح المحرومين من الدعم المعنوي والنفسي والمادي ، هو مسرح المهمشين ، المعاقبين والمطضهدين أينما كانوا ووجدوا.

**الفنان عبدالرزاق بن عيسي : كاتباً وممثلاً ومخرجاً من المغرب ، ولد سنة 1949م بمدينة وجدة ، البداية كانت سنة 1965م مع المسرح العمالي بمدينة وجدة مع رفيق دربه الكاتب المرحوم " محمد مسكين "، ثم مع فرقة المعمورة التي كانت أبرز عناصرها في ذلك الوقت الفنانة المسرحية " ثريا جبران " التي تقلدت منصب وزيرة الثقافة في السنوات الأخيرة بالمغرب، أرتحل من المغرب في نهاية السبعينيات من القرن الماضي إلي تونس وسوريا ثم ليبيا بعدها عاد إلي المغرب بمسرحية النزيف كا مخرجاً مع فرقة المسرح الحر سنة 1985 ليستقر في بها إلي هذا الوقت. قدم قرابة 21 عملاً مسرحياً من تأليف وتمثيل وأخراج ، عاش ظروفاً صعبة وقاسيه بالمغرب ولكنه مناظلاً مسرحياً من الطراز الأول الذي لا تهزه هموم الدنيا وظل صامداً إلي هذا التاريخ ، فنان مسرحي من النادر أن تجده في هذا الزمان.

***مسرحية " نزيف الذاكرة " قمت بإعدادها عن مسرحية " النزيف " للكاتب المرحوم محمد مسكين، كا عرض مسرحي للممثل الواحد " مونودراما "، برؤيا إخراجية وسنوغرافيا للمخرج المبدع الصديق عبدالرزاق بن عيسي ، والتي سأبداء في عروضها قريباً بإذن الله تعالي تحت مظلة مسرح المحرومين والفضاء الرابع .

**** المعارض عزالدين الشريف "حملة التضامن الليبي البريطاني للحرية وحقوق الإنسان" .

ــــ مقاهي بغداد تحولت إلي مرتع للعاطلين ، العرب أغسطس 2007 .

ــــ عباس الخفاجي ، المقاهي الأدبية .. الهوية والمكان ، موقع الأمبراطور الألكتروني .

ــــ فائز الحيدر ، أحياء بغداد ومقاهيها الشعبية منبع الأدب والثقافة .

ــــ فرقة المسرح الحر بطرابلس الغرب ــ ليبيا تأسست في مارس 1970م ، من مؤسيسها الفنانين المرحوم سالم أبوخشيم ، مصطفي المصراتي ، عياد الزليطني ، علي الخمسي ، المرحوم عبدالله تامر ، المرحوم سليمان المبروك ، محمد بن يوسف ، المرحوم عبدالطيف المصراتي ، المرحوم محمود الأشهب ، د. الصيد أبوديب ، المرحوم علي أبودراع ، مفتاح الفقيه ، عبدالرزاق العبارة. قدم أعضائها الكثير من الأعمال المسرحية المتنوعة بدايتها كانت بمسرحية " تاجر البندقية " من إخراج الأستاذ أبوضيف علام وهو العضو المؤسس الشرفي . أعيد تأسيسها من جديد سنة 1982 علي يد شباب من الجامعات بقيادة الفنان مصطفي المصراتي والفنان المرحوم سالم أبوخشيم بعد إبتعاد معظم مؤسسيها عن الحركة المسرحية . في سنة 1993 عاد المؤسسون من جديد حيث وجدوا أمامهم مقراً مختلفاً عن الفرقة التي تركوها وذهبوا ، قاوموا لكي يقدموا أعمال مسرحية ، ولكن ظروف المسرح تغيرت والمعطيات علي أرض الواقع ليست مثل السابق بقي المسرح ، أخُد جزاء منه وتهالك الجزء الباقي والمسرح الأن مهدد بالسقوط إنها سنيما " قابي " أقدم سنيما في مدينة طرابلس.

(1) كان آمين المؤتمر آنذاك يدعى عبد السلام المكي.

(2) يدعى بشير أحميد.

****************

الأربعاء، 26 مايو، 2010

مسرح المحرومين .. بقلم/ بعيو محمد المصراتي


مسرح المحرومين

بعيو محمد المصراتي

المخرج المبدع عبدالرزاق بنعيسي وهو يعطي للأجيال القادمه، درساً عن المدينة وأصحاب الحال في المدينة، درساً عن المسرح والمحرومين، علي خشبة لا يتعدي قطرها النصف متر بأكسسوارات من الجرائد اليومية، وبالإضاءة المتوفرة في صالة العرض وحتي بضوء الشمس القادم عبر النوافد ... فالمسرح كلمة و فعل

"مسرح المحرومين" هذا الأسم أطلقه الفنان المبدع المغربي عبد الرزاق بن عيسى على المسرح الذي قام بتأسيسه من منفاه داخل الوطن "وطن النزيف" حتى إشعار أخر، (ياهكي الأوطان ولا بلاش) عن الإبداع والحرمان والمحرومين من كلمة الحق والصدق والرأي الحر بعيداً عن كتم الأفواه والأنفاس، مسرح المحرومين من الدعم المعنوي والمادي، مسرح المهمشين، المعاقبين و المطضهدين. هذا الفنان جمعتني به صفحات الإنترنت بعد ربع قرن من الإفتراق عن طريق عرض المسرحية التي جمعتني به أول مرة في سنة 1984 وهي مسرحية " النزيف " للكاتب الراحل محمد مسكين، لقد مر هذا الفنان المخرج المبدع بظروف صعبه للغاية من الصعب على الإنسان تحملها في بلد كنت أظن أنه يقدر فنانيه ومبدعيه، ولكن الذي حصل مع هذا الفنان لا يمكن تصديقه ولا يمكن إستيعابه.

بعد كل هذه الفترة الزمنية التي ابتعدت فيها عنه أتيحت لي من جديد فرصة كنت محظوظا فيها للتواصل مع هذا المبدع عبر الهاتف والإميل وكان لأصدقاء أفاضل بالمغرب الفضل في ذلك التواصل، وهم إخوة كرام يكنون له كل الخيروالإحترام، مع العلم بأنهم ليسوا من الوسط المسرحي أو الفني الذي تخلي عن هذا الفنان، تاركينه يصارع الآمه وإبداعه وظلامه.

سأرفق لكم الرسالة التي وصلتني عبر الإميل من هذا المبدع كذلك سأرفق معها فيديو يسجل سيرة ذاتية مسرحية لهذا المسرحي ومسرح المحرومين. مشاهدة طيبة للجميع حتى نعرف معنى الإنسان، الفنان، المبدع ، الحرمان والمحرومين في أوطان أكل أصحاب الحال فيها الأخضر واليابس فما بقي لنا سوى الإنتظار في أوطان ضرب النزيف فيها كل شيئ فلم يبقى فيها إلا غربان الصمت. المحرومين يرفضون لعق أحذية أصاحب السلطة وأعيان البلدة ممن يملكون الخزائن والجند والخدم. المحرومين يرفضون الإنبطاح والتملق والتزلف لأصحاب الكراسي مثل تجار المسرح من كتاب ومخرجين وممثلين الذين باعوا كل شي من أجل دراهم معدودة، ترمى لهم علي الأرض التي قمع وعذب فيها المواطن، على الأرض التي سرق فيها خبز المواطن وخبز المدينة. المحرومين يرفضون التمسح في جلابيب النخاسين وتجارالشنطة. المحرومين يعلنون صمت المسرح، وموت المسرحيين، في أوطان النزيف التي يسرق ويذبح فيها الإنسان، المواطن، المبدع والفنان.


اضغط الصورة لرؤيتها بوضوح أكثر


مسرح المحرومين

video

********************

الأحد، 23 مايو، 2010

شرف الدين .. حكاية مشوار ــ 1

ملامح من المسرح الليبي المعاصر ــ 8

من تأليف ــ نوري عبدالدائم

شرف الدين .. حكاية مشوار ــ 1

يستوقفنا مشوار الستين سنة الأخيرة في ذاكرة المسرح الليبي ، علم من أهم أعلامها وملامحها الحقيقية المتمثلة في رحلة الأستاذ " محمد شرف الدين" الفنية كرائد مؤسس مقترن برحلة رفيقه " مصطفى الأمير " .

الفنان الأستاذ "محمد شرف الدين " بحق يعتبر من المبدعين القلائل الذين لم يهجروا خشبة المسرح و" كواليسها " طيلة مشواره الإبداعي وإن هجرته الخشبات كما حدث في السنوات الأخيرة فلم يفارقه كرسي المتفرج و " ورشة المسرح الوطني / طرابلس " والدفاع عن مقر" الفرقة القومية" في الدوائر الرسمية بعدما تم تخصيصها كمسكن .

كما لم يتوقف نشاطه ككاتب مسرحي لأعمال لم تر النور بعد. " شرف الدين " أو " عمي محمد " كما تعودنا أن نناديه متعدد العطاء ، فهو لم يكن ممثلاً مسرحياً فحسب بل إلى جانب هذا مارس الإخراج والتأليف المسرحي، وصمم المناظر للعديد من الأعمال المسرحية ، وهو رسام معماري وجيولوجي إضافة الى ريادته كرسام ساخر .

عمي محمد... السيرة طويلة ، ترى من أين نبدأ ؟ شرف الدين :- نبدأ بحادثة لم تغادر ذاكرتي . بعدما " دخلت الكتّاب " في طفولتي المبكرة نقلني أخي مستمعاً إلى المدرسة الليبية الإيطالية التي كانت تديرها إدارة إيطالية مع وجود مدرسين ليبيين أذكر منهم " حسن البوصيري ، رجب أفندي ، حسونة جفارة " . تصادف وجودي في ذلك الوقت بزيارة " الدوتشي موسليني " الفاشي الى ليبيا ، الذي أجبرنا على استقباله بعدما ألبسونا ملابس محلية وصفّونا بمحاذاة " الكورنيش " واضعين أعلاماً فاشية لنلوح بها عند مرور موكب " الدوتشي " ونحن نصرخ بأسمه مع حركة أقدامنا.

في هذه الأثناء سقط علم الطفل الذي يجاورني تحت أقدامي . استفز منظر العلم الفاشي المداس أحد المدرسين الطليان وكان من ذوي " القمصان السود " وعلى إثرها سجنني في المدرسة ثلاثة أيام بعدما تم إستدعاء والدي ، وأقيمت محكمة مصغرة في المدرسة يقودها مدير المدرسة . أفرج عني بعد ماتم توكيل محامي ايطالي مقيم للدفاع عني . كانت هذه آخر علاقتي بهذه المدرسة . أذكر هذه الحادثة . لأنها تمثل غطرسة النظام الفاشي السائد في ذلك الوقت .

باعتبارك فنانا متعدد الملكات، ممثلا ، مخرجا ، كاتبا مسرحيا ، رساما مع أي منها كانت بداياتك ؟
شرف الدين : - بدايتي مع الرسم . عندما عدت إلى الكتّاب للمرة الثانية ، كان هناك تقليد في ذلك الوقت وهو الاحتفاء بالطالب الذي يختم جزء من القرآن الكريم فمن ضمن هذا التقليد، الرسم على لوح المحتفى به فكنت أنا الطالب الوحيد الذي يرسم هذه الزخارف ، وهي عبارة عن زخارف إسلامية أستقيها من المصاحف والسجاجيد وصور السير الشعبية كـ" عنترة ، وابي زيدالهلالي ، وسيف بن ذي يزن " فكنت أصنع الألوان التي أرسم بها ، فاللون الأخضر أستخرجه من الأعشاب ، والبني أستخرجه بغلْي الفول السوداني" الكاكاوية " في الماء، والأحمر أستخرجه من " الصبار الإيطالي " والفرشاة أصنعها من شعر الحيوان . فكانت مكافأتي مضاعفة عن بقية الطلبة التي كانت عبارة عن " حلوة شاكار، و فطيرة ، وشربات" متى تطورت هذه المعرفة بالألوان وعلى يد من ؟ شرف الدين :- بدايتي عندما انضممت إلى " مدرسة الفنون والصنايع ".

بقسم الفخار في الفترة النهارية القسم الذي من خلاله تعرفت على مزج الألوان عن طريق الأستاذ الفنان " المهدي الشريف " كما تعلمت الرسم على الصحون والبلاط والكؤوس . أمضيت في هذه المدرسة سنتين إلى أن أغلقت جراء القنابل التي استهدفتها في الحرب العالمية الثانية ، في ذلك الوقت انتقلت مع الأسرة إلى مدينة " جنزور " إلى أن وضعت الحرب أوزارها.

هذه آخر علاقة لك بهذه المدرسة ؟ شرف الدين :- نعم ... لم أعد إلى " مدرسة الفنون والصنائع " . فعندما فتحت المدارس سنة 1943 م انتقلت إلى مدرسة " الظهرة العربية " .... في هذه الفترة والتي تليها بدأت علاقتي بالسينما المصرية والتجسيد . فكنت أنا و" مصطفى زقيرة ، عبداللطيف الشريف أخ محمود الشريف المغني " نقلد ما نشاهده في دور العرض ، كما أقوم أنا برسم الشخصيات السينمائية على الجدران . في ذلك الوقت شاهدت شريط " ليلة ممطرة " ليوسف وهبي الذي عرض في قاعة عرض " الميرامار " إضافة إلى الأشرطة التي تعرض للجيش الثامن لمونتجمري في تلك القاعة وقاعة " الحمراء".

هل هذا أول شريط شاهدته أي " ليلة ممطرة " ؟ شرف الدين : - لا .... أول شريط شاهدتة اسمه " نادرة " سنة 36 في " السينما الصيفي " التي تقابل إذاعة الجماهيرية الآن بشارع الشط . منذ نهاية الحرب العالمية الثانية كانت علاقتك بالمشاهدة والتقليد والرسم على الجدران - إلى متى استمرت هذه المرحلة ؟

شرف الدين :- سنة 1945 م أثناء دراستي الثانوية قدمت أول دور لي في مسرحية " الأمين والمأمون " من تأليف وإخراج محمد بن مسعود . في نهاية سنة 47 م كنت صحبة مجموعة الأصدقاء الطلبة بمنزلنا الكائن ب" زاوية الدهماني " نتقصى أخبار فلسطين من المذياع ، أذكر منهم الشاعر " علي الرقيعي " والكاتب " كامل المقهور " و " محمد الزيات " ومحمد نقاء " و " محمود وإسماعيل الزمرلي " ، وعندما أبديت رغبتي في الذهاب إلى الجهاد، تكفل هؤلاء الأصدقاء بتكاليف الرحلة كل حسب إمكاناته .

عندها استقللت شاحنة بضائع دون علم أسرتي . استغرقت الرحلة خمسة أيام إلى مدينة بنغازي التي كانت منتعشة اقتصادياً في ذلك الوقت ، قمت خلال هذه الرحلة بمهام مساعد سائق ، في بنغازي تكفلت " جمعية عمر المختار " بإيصالنا إلى مصر حيث تم تدريبنا .

حاولت اختصار بعض تفاصيل الرحلة " . شرف الدين :- في منطقة " هاك ستيب " حيث تم تدريبنا كنت أغتنم فترات الراحة بالذهاب إلى القاهرة لأتعرف على أعمال " نجيب الريحاني" المسرحية وأعمال" يوسف وهبي" من خلال فرقة رمسيس ، كما شاهدت العديد من الأعمال السينمائية أذكر منها " رصاصة في القلب ، جوهرة ، العزيمة " .

كم المدة التي بقيتها في مصر ؟ شرف الدين :- ثلاثة أشهر مدة الفترة التدريبية . ومنها نقلنا برعاية وفد من الجامعة العربية إلى ميناء بيروت من " مرسى مطروح " لننقل إلى معسكر " قطنا " قرب دمشق ، فتم اختياري رفقة متطوع " تونسي " ومتطوع " يمني " لدرايتنا بالسباحة لننقل إلى بحيرة " طبرية " من خلالها انطلقت عملياتنا الفدائية صحبة فدائيين فلسطينيين . ظلت هكذا الحال مدة ستة أشهر الى غاية الانقلاب على " حسني الزعيم " الذي انتهى بإعدامه . فخيرنا بين الجنسية السورية أوالعودة فكنت ضمن الذين اختاروا العودة .

في تلك الفترة المسرحي الليبي " صبري عياد " مقيم بالشام . شرف الدين :- لم أتعرف عليه ... خلال فترة راحتي التي تسمى ب" الماذونية " تبدأ من يوم الخميس إلى الجمعة ليلاً كنت أذهب إلى دار عرض بجوار" سوق الحامدية " لمشاهدة شريط روائي تليه بعض المشاهد المسرحية حسب برنامج القاعة. كم المدة التي بقيتها منذ مغادرتك ليبيا ؟ شرف الدين :- كانت المدة الكاملة سنتين . ويستمر المشوار ...

شرف الدين ...... حكاية مشوار ــ 2

مسيرة مشواره الطويل توّجت بنيله للعديد من الأوسمة والدروع داخل ليبيا وخارجها لتكون شاهداً على ثراء سيرته الزاخرة بالأحداث والمواقف ، والحافلة بالإبداع . فقد " كرم في عيد العلم ، ومنح وسام الريادة ، ووسام الجهاد ، ودرع الريادة من الجامعة العربية ، كما كرم في مهرجان قرطاج الدولي من وزارة الثقافة التونسية" . .. ويستمر المشوار مع الفنان " محمد شرف الدين " لنوقظ من خلاله المهمل من صفحات ذاكرتنا الإبداعية.

عمي محمد " توقفنا في بداية الخمسينيات عند عودتك الى ليبيا . شرف الدين :- وقتها سنحت لي الفرصة لتأسيس فرقة مسرحية باستغلال مستودع كبير مهجور من مخلفات الطليان في " زاوية الدهماني " بجانب " كوشة بوشاقور " الذي زودنا بالمياه . كنا مجموعة من الأصدقاء أذكر منهم الأخوة " عبداللطيف ، محمود ، و صبري الشريف ، محمد الزقوزي ،البسكيني ، وصالح الفزاني ، مصطفى زقيرة " و " ومحمد نجاح " الذي تولى مهمة التذاكر فيما بعد . لم نتمكن من الموافقة على تسميتها " رابطة شباب السعداوي " فغير الأسم لـ " رابطة شباب المسرح " وأستقر أخيراً على " رابطة الشباب.

تقصد محمود الشريف المطرب ؟! شرف الدين :- قبل أن يصبح مطرباً .... أنجزت الخشبة من بقايا مخلفات الحرب من الخشب ، والستارة من " الخيش " كما حاولنا ترتيب المكان حسب الممكن من مجهوداتنا والمساهمات الأهلية .. بداية قدمنا أعمالاً متواضعة وهي عبارة عن مشاهد تمثيلية تتخللها أغاني فكانت باكورة أعمالنا " خروف الضحية " معتمدين فيها على قدرة الممثل على الإرتجال فقد كانت أغلب أعمالنا تسير على هذا النحو .. تمت الدعاية بمجهود ذاتي قام به " محمد نجاح " المسؤول على التذاكر_ التي قيمتها (5 فرانكات ) _ والأعلان بالمرور على محلات الحياكة والحوانيت و " الطبارن " حيث يتم تعليق الملصقات التي كنت أصممها.

كم كان عدد الجمهور الذي يشاهد أعمالكم ؟ شرف الدين :- يصل الى ثلاثمائة متفرج . ... الى أن تطور هذا المشروع الى نادي إجتماعي وظل ريع أعمالنا الفنية يذهب لصالح الرياضة " كرة القدم " تحديدا ً، الأمر الذي جعلنا نلغي إلتزامنا مع هذه الرابطة . وثم الإجتماع مجدداً في غرفة الجلوس بمنزلنا . هذه الأجتماعات أفرزت مسرحية " عاقبة مجرم " التي كتبتها مشاركة مع " محمد نجاح".

هل هذه أول علاقة لكم بنص مكتوب ؟ شرف الدين :- نعم ... هذه المحاولة الأولى لكتابة نص على ورق ... وتمت التدريبات في منزلنا الى غاية تجهيز العمل فتبنى تمويل العمل " أحمد بن يونس " الذي كان محباً للفن وحديث العهد بنصيبه في ميراث والده . فاتفقنا مع " سينما أوديون " _ الزهراء حالياً_ عن طريق " المشيرقي " الذي تربطه علاقة طيبة بصاحب القاعة وحدث الترتيب معه على عرض صباحي زهاء " الساعة العاشرة " . كان الحظور مطمئيناً ولكن غياب صاحب التذاكر شجع الجمهور الذي جمعناه ينطلق مع " الطرق الصوفية والزوايا " التي تجوب مدينة طرابلس في اليوم الأول للمولد النبوي الشريف ولم يتبق منهم سوى عشرة متفرجين وتم العرض لهؤلا العشرة.

من الجيل الذي سبقكم في الحركة المسرحية وما هي الفرق التي كانت في ذلك الوقت ؟ شرف الدين :- كانت الفرقة الوطنية التي تأسست سنة 1936 م التي كان من أهم رموزها " أحمد البيزنطي " و " خليفة ماعونة " وكان الفنان الكوميدي " محمد حمدي " . المهم .. نعود للحكاية فبعد هذه النكسة أنحلت الفرقة وتفرقت المجموعة. شرف الدين : - قدم لي " علي ندار " في بداية الواحد والخمسين عرض الانظمام الى فرقة " العهد الجديد" بعدما شاهد عرض مسرحية " عاقبة مجرم " . لأقوم بمهمات الديكور والملابس لمسرحية " فتح ليبيا".

في هذه الفترة كنت تميل الى الجانب التقني ؟ شرف الدين :- بالإضافة لهذا كنت ممثلاً في مسرحية " فتح ليبيا" . أريد الإشارة هنا بأني تعلمت المناظر على يد الأستاذ " فؤاد الكعبازي " في مسرحيتي " القاتل الأخير ، وطارق بن زياد " باللجنة الثقافية بنادي الإتحاد. مع هذه المسرحية " فتح ليبيا " تم انضمامي لهذه الفرقة التي كان ضمن أعضائها " عبدالسلام الجزيري " المعروف بسلام قدري و " بوحميرة " و " علي المشرقي " فقمت بتصميم المناظر التي كانت عبارة على مقطع من " السرايا الحمراء " بخلفية نخيل في المنظر الذي يوحي بمعسكر " عمرو بن العاص " الذي يقال بأنه عسكر في " سوق الجمعة " بــ"العمروص " نسبة لهذا القائد كما يقال ، فأنتبه الدكتور التونسي " الكعاك " لهذه المغالطة _ حسب رأيه مشيرأ بأن النخيل دخل لليبيا بعد الفتح الإسلامي . كما صممت السيوف من حديد ربط البضايع " حديد شيركو " عن طريق حداد " يهودي " كان يمتلك ورشة حدادة .عرض هذا العمل في العديد من المناطق الليبية.


هل كنت شاهداً على تأسيس الفرقة القومية ؟ شرف الدين :- نعم وقتها كنت عضواً فعّالاً في فرقة " العهد الجديد " .فكان تأسيسها بعد أن تم " لقاء شاي " بين فرقتي " العهد الجديد " و " رابطة المعلمين " بحضور كل من " شعبان القبلاوي ، رامي وسعيد السراج ، عبدالسلام الحلبي ، وعلي أبوخريص ، البهلول الدهماني ،محمد الفيتوري ، الصادق المصراتي ، ، نوري المغربي ، إدريس الشغيوي ، كاظم نديم ، الطاهر العربي " و" محمد قنيدي " الذي أقترح تسمية " الفرقة القومية. "

مصطفى الأمير ؟! شرف الدين :- كان وقتها ب" نادي الإتحاد " يقدم برنامج مسموع في إذاعة النادي " النهار بعويناته والليل بوديناته " ثم التحق بنا سنة 1952م بعمل " الدنيا ساعة بساعة " المسرحية التي أتاحت لي فرصة أنطلاق بعدما تخلف " الطاهر العربي " بطل المسرحية عن التدريبات . وقتها " سعيد السراج " يعد عملاً أخر بعد مسرحية " الوارث " . من هنا كانت البداية مع الاستاذ مصطفى ، لأقدم معه العديد من البرامج المسموعة منها " عيشة وسليمان " التي تذاع في شهر رمضان موعد الإفطار .وقدمنا " اللي تضنه موسى يطلع فرعون " وتم تحويلها الى مسلسل مسموع اسمه " مكايد الشيخ حمدان" كانت المنافسة بيننا وبين الإذاعي " عبدو الطرابلسي" الذي كان يقدم أعمالاً تأسر جمهور المستمعين .

ومنذ ذلك الزمن شكلت أنا و" الأمير" ثنائياً في الكتابة حيث تم خلق شخصية " شلندة " التي رافقتني في كثير من الأعمال. وهو عبارة عن فيلسوف شعبي ولسان حالهم ،حتى أن دوري في " حلم الجعانين " قدمته بشخصية " شلندة " على صغر الدور ولكني أثريته عن طريق الأرتجال .

حلم الجعانين قدمت مرتين على المسرح . شرف الدين :- عندما قدمت بإخراج " محمد القمودي " في المرة الثانية لم يدع لي مجالاً للإرتجال فلم تلاق إقبالاً كما لاقته في المرة الأولى.

ألا تراه مصيباً بشان محافظته على اللإلتزم بالنص ؟ شرف الدين :- الحكاية ليست مسألة التزام بالنص .. انا بداية أتشرّب النص ، وأثناء العرض و بحكم علاقتي مع الجمهور أساهم بإضافة بعض الجمل التي تأتي عفوية في سياق العرض ، دونما الإخلال بفحوى النص ودونما إضاعة مفاتيح الجمل لزميلي الممثل المقابل . فالأرتجال مدروس وعن دراية بما يدور.

من الذي كان يقوم بالأدوار النسائية في تلك المرحلة ؟ شرف الدين :- كان الأستاذ " مصطفى الأمير " يقوم بهذه الأدوار وأيضاً " بشير عريبي " . الم يتم الإستعانة بأي عنصر نسائي ؟ شرف الدين :- أستعنا بعاملات " دور الملاهي " في أدوار صغيرة .وقتها أبرمت " القومية " عقداً مع ممثلة " تونسية "أتت مع فرقة مصرية زائرة _ بقيمة " ثلاثين دينار " شهرياً ، وهو عرض مجزي في ذلك الوقت.

أول ظهور حقيقي لممثلة ليبية ؟ شرف الدين :- " حميدة الخوجة " أنضمت للوطنية وعمرها " إثنى عشرة " سنة . بينما انتسبت " فاطمة عمر " للفرقة القومية في مسرحية " ولد شكون " عن " نجيب الريحاني " وتلييب " محمود الهتكي " . وأيضاً عملت بالمسرح الوطني في مسرحية " حسناء قورينا " لخالد مصطفى خشيم " .

وأيضاً انضمت " سعاد الحداد " للفرقة الوطنية في مسرحية " أهل الكهف " من إخراج " محمد العقربي" وليس " عمران المدنيني " كما يقال، وعملت مع المسرح الوطني في مسرحية " راشمون " من إخراج " الأمين ناصف" . قبل أنضمام " الأمين ناصف " للمسرح الوطني / طرابلس " .

تحت إطار اي فرقة كان يعمل ؟ شرف الدين : - كان ممثلاً في القومية وقدم فيها العديد من الاعمال منها " اللي تضنه موسى " و " المشروع " . ألم يعمل مخرجاً في الفرقة القومية ؟! شرف الدين :- بدايته كمخرج كانت مع" المسرح الوطني" بمسرحية " راشمون " . بعد دراسته الإخراج في بريطانيا . كان الأمين معلماً فهو مخرجاً مهتماً بأدق التفاصيل ولديه القدرة على بث روح الحميمية لدى الفريق الفني ولا يتسامح في أخطاء اللغة العربية ، فهو يصر على وجود مراقب لغة لتسهيل المهمة لدى الممثل . فهو يعمل بعشق... والفن عشق وعمل . كما أخرج العديد من الأعمال لــ" إذاعة الملاحة " المرئية .

هل نستطيع القول بأن دخول العنصر النسائي للحركة المسرحية من خلال " سعاد الحداد وفاطمة عمر وحميدة الخوجة " ؟ شرف الدين :- ثمة ممثلاث مثلن في المسموعة ولكنهن لم يظهرن على خشبة المسرح وثمة من لم يواصلن المسيرة في المسرح .. . لا نستطيع تجاوز الفنانة " لطفية إبراهيم " التي ألتحقت بعدهن فقد ألتقيت بها في حوالي خمسة أعمال. " لطفية " متألقة وحاضرة في الأعمال الشعبية ولديها المقدرة على إحتواء المتفرج . كما تمتلك رأي و وجهة نظر فيما يقدم لها من أعمال . فهي ممثلة مريحة وملتزمة .... " اللهم يذكرها بالخير . " لطفية " ماتخليكش تستنى أبداً ."

ما سر أقتران أسمك ب" مختار الأسود " ؟ شرف الدين :- تم إنضمام " مختار" للفرقة سنة 62 م وكان شحنة من الحيوية والنشاط وعنده القدرة على حلول المشاكل الإدارية الصعبة . إضافة لحضوره القوي على الخشبة وكان ملتزماً ولديه قدرة أستثنائية على الدعاية وعملنا في العديد من الأعمال .

ما علاقتك بالصحافة ؟ شرف الدين :- تعاونت مع صحف ومجلات ليبية " شعلة الحرية ، الليبي ، مجلة الإذاعة " من خلال نشر رسوماتي الساخرة . كما صممت الرسومات الداخلية لديوان " الحنين الضاميء " لعلي الرقيعي ، و صممت غلاف كتاب لــ" عبدالقادر أبوهروس " لا أذكر اسمه.

هل ضمتك أعمالاً صحبة " محمد حمدي " ؟ شرف الدين :- فقط شاهدته على المسرح .أشتهر بــ " بربري ليبيا " لإستعارته نموذج "علي الكسار" " بربري مصر " كان ممثلاً يمتلك قدرة على الإرتجال . أستعان به "أحمد البيزنطي " في العديد من الأعمال ولأن أعماله أحمد البيزنطي تميل الى الجدية أستعان به لإضفاء روح الدعابة والمرح ، فكان يترك على الخشبة وحده عمداً ليستمتعوا بقدرته على تغطية هذه المساحة الزمنية ، و يغطيها بإتقان شديد من خلال إرتجاله للعديد من المواقف.

كلفت كمستشار لشوؤن المسرح من قبل أمين اللجنة الشعبية العامة للثقافة خلال إجتماعه بالمسرحيين . ماذا أنجزت من خلال هذه المهمة ؟ شرف الدين :- هذا التكليف كان شفوياً ، و لم أخذه على محمل الجد ، فهذه المهمة كانت أكبر من إمكانياتي . قد أستشار في تقنيات خشبة المسرح بحكم مهنتي القديمة كرسام معماري ... لم أتمكن من مقابلته لإنشغاله ، علماً بأني أحظى بإستقبال طيب من قبل الأخوة في الأمانة . أستشارني في تكريم الرموز فاخترت الفنان " أحمد البيزنطي " والأستاذ " مصطفى الامير " وهكذا كان .

أصدر أمين اللجنة الشعبية العامة للثقافة قراراً يحمل الرقم "1 " يفيد بإنشاء " الفرقة الوطنية للمسرح "بإقترح من مدير الإدارة العامة للمسرح " د. حسن قرفال " الذي ضمّن قائمة تشمل العديد من المسرحيين ولم يرد أسمك والعديد من الرموز المسرحية الليبية . شرف الدين :- هذا رداً على سؤالك ..... فأنا لم أستشار في هذا الأمر " والله شن بنقولك " د. حسن قرفال رجل أكاديمي يرى بأن تجربتي وتجربة العديد من المبدعين المسرحيين كانت عبارة عن " هتشيات فاضية ..... شوف ياولدي .... المية تكذب الغطاس " .

************